بعد حرب 67 بدأ الإنتاج الصهيوني السينمائي يغزو العالم من خلال المهرجانات الدولية والعالمية، وكانت أول جائزة تحصل عليها إسرائيل في مهرجان كان 1967 عن فيلم «ثلاثة أيام وطفل».
وتحوَّل اشتراك إسرائيل في هذا المهرجان إلى مظاهرة سياسية قادها الممثل الأميركي اليهودي جيري لويس المعروف بتعصبه الشديد للصهيونية، ولقد رأت لجنة التحكيم أن تعلن تأييدها لإسرائيل في أول مرة تشترك بها في كان.بعدها أنتج الإسرائيليون أكثر من 12 فيلما عن حرب 67 خلال سنتين من 67 - 69، بالإضافة إلي رصيد 200 فيلم عن مجمل كل الحروب التي خاضوها في المنطقة. ومن أبرز أفلام 67 فيلم «ستة أيام ونصر»، الذي حقق نجاحا جماهيريا كبيرا لاستفادته من الحدث، وتكفل بإنتاجه منتج إسرائيلي يدعي «يوسي شفيلي» وهو اليوم من أشهر منتجي هوليوود - بمساعدة المخرج بول سميث، وكان الفيلم عبارة عن تسجيل لشهادات الأسري المصريين، والضباط الإسرائيليين عن حرب 1967.
سينما إسرائيل ونتيجة لما حققه هذا الفيلم من نجاح هائل أسرع «شفيلي» والمخرج بول سميث بإنتاج فيلم آخر عن حرب 67 حمل اسم «حرب العشرين عاما» الذي يصور علاقة إسرائيل بجيرانها العرب خلال العشرين عاما التي تلت إقامة الدولة الصهيونية. كما حاز فيلم «الخروج» الذي أنتج عام 1960 شهرة كبيرة، وكان مؤشرا لارتفاع نجم إسرائيل، وبعد الحرب ظهرت الأفلام التي تدعو العرب لنسيان قضية فلسطين وتقبُّل وجود الكيان الصهيوني، ولانتصار الصهيونية ليس كحقيقة واقعة وإنما من منطلق أن حق اليهود في فلسطين كان مسلوبا فاستعادوه، ومن أفلام هذه المرحلة «معركة سيناء» 1968 وفيلم «اهمس باسمي» 1972 إخراج جيمس كموللر.
تأثير دولي
وبالتالي يمكننا القول إن السينما الصهيونية استطاعت الدفاع عن قضاياها، رغم ما تحمله تلك القضايا من انتهاك حرمات وحقوق الآخرين، وفي المقابل فإننا نجد أن السينما العربية وإلى الآن لم تستطع أن تعبر لا عن مرحلة الهزيمة في 67 أو الانتصار في 73 ولم تطرح أية قضية عربية يمكن من خلالها أن يكون لها تأثير ومكاسب دولية.
فالقدس التي هي القلب النابض لأمتنا لم تجد لها أفلاما تستنهض الجماهير لتنصرها، أو لتؤكد عروبتها وإنما وجدنا في السينما العربية في أحلك المواقف وأشدها هزيمة للنفس أفلاما تخاطب غريزة الجنس وتسطح الأفكار تحت عنوان لافت هو «الجمهور عاوز كده».
قضايا عربية
وحسب ما نذكر ودون ترتيب الأحداث والأفلام والدول المنتجة سنطرح نماذج وأمثلة لبعض التجارب المهمة في سينما حملت على كاهلها عبء تبني قضايا عربية، ولأن ما نستعرضه لا يعد إحصاء كاملا ولا تقييما عاما لكل التجارب السينمائية ذات الخصوصية وإنما يبقي مجرد إشارة لبعض العينات التي يجب أن تسير على نمطها السينما العربية.
ونبدأ بفيلم باب الشمس للمخرج يسري نصر الله وهو إنتاج فرنسي ـ عربي مشترك تم تصنيفه ضمن أهم مئة فيلم على مستوي العالم في عام 2005 لكونه يطرح البعد التاريخي للقضية الفلسطينية في إطار القراءة السياسية لرواية الكاتب الكبير الياس خوري عبر ثلاث ساعات درامية ..
وتعد السينما الفلسطينية هي صاحبة النصيب الأكبر والرصيد الأوفر من الأفلام السياسية بحكم الواقع المفروض عليها فهي تعيش الصراع وتعبر عنه لحظة بلحظة، ومثلما هناك باب الشمس هناك أيضا أفلام كثيرة أخرى نفذت إلى عمق القضية مثل فيلم حتى إشعار آخر، تذكرة إلى القدس للمخرج رشيد مشهراوي، القدس في يوم آخر، الجنة الآن للمخرج هاني أبو اسعد والفيلم الأخير تم ترشيحه لجائزة الأوسكار لعام 2006 ولكنه خرج من السباق لاحتجاج اللوبي الصهيوني في أميركا وقيامه بالضغط على لجنة التحكيم لعدم منحه الجائزة والاكتفاء بشرف الترشيح.
من بين الأفلام المهمة أيضا والتي تتسم بالطابع السياسي أو النضالي ثلاثية يوسف شاهين «الاختيار»، و«العصفور»، و«عودة الابن الضال» بالإضافة إلى فيلم «الأرض» .. وقد فتش في أفلامه الأربعة هذه تحديداً عن أسباب نكسة 67 وأوضح تأثره الشديد بها.
وتطل الهموم بين ألوان الدراما العربية لتؤكد الفضل منسوبا للسينما اللبنانية الأكثر جرأة على الطرح السياسي المباشر ربما لارتباط السينما بالواقع الراهن في كثير من الأحيان، ويظهر ذلك جليا في فيلمي «زنار النار» و«تحت القصف» للمخرج فيليب عرقتنجي والذي يجسد معاني الاغتراب والوحشة بعد العدوان الإسرائيلي وتطل علامات الاستفهام من صوره الدرامية طارحة مئات الأسئلة ولكنها لا تجد الإجابة لتظل السينما مجرد وسيط يصور الواقع ولا يغيره.
نصر أكتوبر
إجمالي الأفلام التي تناولت انتصار أكتوبر لا تتعدى ثمانية أفلام هي: «العمر لحظة» و«أغنية على الممر»، «حتى آخر العمر»، «بدور»، «الرصاصة لا تزال في جيبي»، «الوفاء العظيم»، «الطريق إلى إيلات»، «حكايات الغريب».
و المحزن في الأمر أن هذا النصر الذي يعتبر الوحيد في تاريخ العرب الحديث و المعاصر لا تكاد الأجيال الحالية تعرف عنه شيئا، ومازالت الأجيال الجديدة التي تسيطر عليها ثقافة الصورة لم تشهد حقيقة انتصارات أكتوبر .. ولم تسمع أصوات المدافع .. ولم تر دخان المعارك، كي ترفع الروح المعنوية لجموع الشعب العربي في ظل الهيمنة الإسرائيلية- الأميركية في المنطقة.
ما يدفعنا للنقد هنا التطور الذي شاهدته السينما العالمية خاصة فيما يتعلق بسينما الحرب مثل «إنقاذ الجندي رايان» لستيفن سبيلبرغ و«الخط الأحمر الرفيع»، التي تروى فظائع الحرب العالمية، هذا في الوقت الحاضر ومن الماضي نذكر «لمن تدق الأجراس» رائعة همنجواى و «جسر على نهر درينا»، و غيرها.
هل يمكن مقارنة هذه الأفلام التي تتحدث عن أمجاد قد يكون بعضها وهميا، بما تم إنتاجه عن هزيمة 67 أو نصر أكتوبر العظيم الذي رد كرامة الأمة .. طبعا الإجابة معروفة سلفا أو ربما من الأفضل عدم طرح السؤال من الأساس.
«باب الشمس»
أول ملحمة سينمائية عربية تعرض لخمسين عاما من مأساة الشعب الفلسطيني عبر قصتي حب خياليتين تمتد أحداثهما خلال السنوات متنقلة من الجليل إلى مخيمات لبنان. يتألف الفيلم من جزئين أولهما «الرحيل» وثانيهما «العودة».
«الجنة الآن»
يحكي الفيلم قصة آخر 48 ساعة في حياة شابين فلسطينيين يتحضران للقيام بإحدى العمليات الاستشهادية. تم ترشيح الفيلم للحصول على جائزة أفضل فيلم غير أميركي في مهرجان الأوسكار لعام 2006.
«تحت القصف»
حاول مخرجه الابتعاد قدر الإمكان عن السياسة ليكشف الوجه الحقيقي المؤلم للحرب، فيقدم ملحمة إنسانية تحكي المأساة بكل أوجاعها، في إطار سينمائي جديد تم تصويره خلال حرب يوليو الأخيرة.


