بالانتقال من مكتب مدير وحدة الرقابة الجوية المغلق إلى فضاء برج المراقبة الشاهق، تحاصرك كثيراً من الأسئلة والهواجس، وتنسجم فوراً في روعة المكان، رغم حساسيته المطلقة.الموقع من الأعلى يمنحك تدقيقاً مطلقاً في شتى تفاصيل وكواليس العمل اليومي الذي يؤمن للمسافرين الذين يغادرون ويأتون ولا يرون من المطار سوى داخل الطائرة وموظفين يدققون في الجوازات.
في البداية عبرنا برفقة أهلي إلى ممرات المبنى في الطابق الأرضي، واجتزنا أكثر من بوابة صغيرة، قبل أن نجد أنفسنا وسط مجموعة من العاملين في قسم الرادار المتواجد في الطابق الأرضي من برج المراقبة، فجدران المكان الذي لا تتعدى مساحته 40 متراً مربعاً بدت مصطبغة بشاشات ترصد أجواء دبي والإمارات، وتسجل كل حركة في الجو. وفي ذلك المكان يعمل بدقة متناهية موظفون من مختلف الجنسيات، إلى جانب شباب مواطنين كثر، والكل يتحدث باستمرار مع الطائرات المتواجدة في الأجواء، ويدقق في لوحات الرحلات الجوية الصاعدة أو الهابطة من خلال «ستكرات» صغيرة تحتضنها مكاتبهم، وتجدد باستمرار، فيما الأجواء كما بدت على شاشات الرادار ملبدة بأجسام صغيرة تمثل طائرات منتظمة في خطوطها ومساراتها وفقاً لأرقى المعايير المتبعة عالمياً.
تركنا الموقع السفلي وتوجهنا نحو المصعد، قاصدين أعلى البرج، صادفنا شاباً مواطناً في أواخر العشرينات من عمره يدعى صلاح القاسم، ووظيفته ضابط مراقبة جوية، صعدنا معاً إلى البرج، سألناه عما أتى به إلى هذا المكان بالتحديد، فأجاب: قلبي معلق بالطيران منذ أن تفتحت عيناي على هذه الحياة.
وصلنا المكان المقصود في أعلى البرج المكون من 16 دوراً، دخلنا إلى صالة دائرية جدرانها من الزجاج، تكشف مطار دبي بأدق تفاصيله، ومزودة بأجهزة تقنية كما تبدو عالية الجودة والحساسية، وللوهلة الأولى انتابني وزميلي المصور بعض شعور الخوف الممتزج بالمتعة وفضول الاطلاع على أدق تفاصيل المشهد.
أكثر ما أثار فضولي في ذلك المكان، هو عدد العاملين والمحترفين في آلية تسيير حركة الطيران من الشباب المواطنين، فهناك كان يجلس بضعة موظفين موزعين على عدد من المهام الأساسية في إدارة عمل المطار، فيما رؤوسهم محاطة بسماعات وأجهزة اتصالات متنوعة.
هؤلاء الشباب أو المراقبون الجويون هم: عبدالله العريمي ضابط مراقب جوي ومدرب، وخالد بن مسحار ضابط مراقب جوي، ومنصور البلوشي مراقب متدرب، وصلاح الجناحي مساعد مراقب، ثم صلاح القاسم ضابط مراقب جوي، إضافة إلى اثنين فقط من الجنسية الأوروبية. تحدثنا إليهم جميعاً، وعايشنا ما يزيد على ساعة من العمل، أقلعت فيها وحطت عشرات الطائرات، بإشارات كانت تصدر من البرج الذي كنا فيه.
المدرب عبدالله العريمي مسؤول «الشفت» وعلى الرغم من كونه منهمكا في متابعة آلية العمل التي يتبناها موظفون محترفون في التواصل مع الطائرات وتأمين أجواء هبوط وإقلاع آمنة وسريعة، إلا أنه تمكن من التحدث إلينا لبعض الوقت.
قائلاً إن المجسمات الصغيرة التي تحتويها مكاتب العمل توفر كافة تفاصيل الرحلات اليومية القادمة أو المغادرة عبر مطار دبي، فيما مهمة الطاقم المتوفر تتلخص في تأمين هذه الرحلات وعدم تأخيرها عن موعدها، مع عدم إغفال القيام بمهمات مضاعفة في حال مصادفة طارئ في الأجواء أو على أرض المطار.
وقال: كل طائرة تمنح تصريح مغادرة مع تصريح لسلك أي خط أو «شارع» طيران في الأجواء، فيما مراقب الحركة الأرضية يمنحها تصريح تحريك وتتواصل مهمته إلى أن يوصلها إلى المدرج، فيحولها للمراقب الجوي في البرج، الذي يظل مسؤولاً عن المغادرة والهبوط لمختلف الطائرات.
وأضاف أن أجواء العمل في مجملها تبقى ضاغطة وحساسة ومسؤولة، إلا أن التعود عليها يجعل منها عملية سلسة وممتعة، فلا تأثير لضغط العمل طالما أنجز الموظف ما عليه بثقة واقتدار وأمانة ومسؤولية، لافتاً إلى أن مشكلات الأعطال الفنية لبعض الطائرات لحظة الإقلاع، وأخطاء بعض الطيارين وتجاوبهم غير الدقيق مع مراقبي الحركة الجوية تضاعف من أعباء العمل اليومية، ولكنها لا تجعل منه غير ممتع، كما هو واقع الجميع في هذا المكان.
وفي ذلك البرج الذي يضم مكانيين لا يقلان أهمية وحساسية عن بعضهما البعض، يبدو الموقف في غاية التعقيد، ففي الأسفل يوجد الرادار، وفي الأعلى يتواجد المراقبون الجويون، فيما العمل في المكان الواحد لا يتعدى في مدته الساعتين، حسب ما أفاد العريمي، الذي أضاف أن البرج العلوي يضم ثلاثة أركان وهي: مراقب المدرج والمراقب الأرضي، ومراقب المعلومات.
وفي مكان حساس مثل برج المراقبة لا مجال لغير العمل والعمل الجاد، ولا محاباة لأحد أو تكاسل في أداء المهمات، فهو يجسد أهم غرفة عمليات في العالم، لأنه مسؤول عن أرواح آلاف الناس المنقولين عبر الأجواء، فالكمال مطلوب لدرجة 100%، ورخصة الرقابة الجوية تجدد سنوياً من قبل ممتحنين ومراقبين للأداء العام في الوحدة.
إضافة إلى كون المراقبين المحترفين يخضعون بشكل يومي لدورات تدريبية وتأهيلية كما هو لسان حال لاعب كرة القدم، فاللياقة والتركيز والجدية في توجيه حركة الطائرات مهمة لاستمرار عمل أي مطار في العالم.
معلومات
800 طائرة يومياً
تضم وحدة الرقابة الجوية ما يزيد على 160 موظفاً من مختلف الاختصاصات والمهام، 59 منهم مراقبون جويون، وغالبتيهم من المواطنين، فيما يشهد مطار دبي يومياً هبوط وإقلاع ما يزيد على 800 طائرة، علاوة على أكثر من 100 طائرة تعبر الأجواء ويتولى أمرها الرادار.
وبحسب المراقبين الجويين، فإن عدد المستخدمين لمطار دبي يقدر يومياً بـ 200 ألف شخص، لذلك تبقى مهمة العاملين في هذا المكان من أدق المهام وأكثرها حساسية، لكونهم لا يتعاملون مع أجسام صلبة، وإنما مع أرواح بشرية، فهنا بالتحديد «غلطة الشاطر بمليون».
أما أولويات العمل، فتبقى في المقام الأول لحالات الطوارئ، حيث يملك المراقب الجوي حق الإشارة إلى جميع الطائرات بتأخير الهبوط في حال أي طارئ فني أو إنساني على متن أي طائرة تحتضنها أجواء الإمارات، فالترتيب في الأولوية يكون (طوارئ ثم ًّ ًّيِ ثم ًّيِ) ولا استثناء لأحد إن وجدت حالة طارئة في السماء، فكثيراً ما سمحت وحدة المراقبة الجوية لطائرات بالهبوط على حساب طائرات أخرى لأسباب مختلفة مثل حالات مرضية أو ولادة أو نفاد الوقود أو عطل فني.
الاسم: عبدالله أحمد العريمي
العمر: 36 عاماً
الجنسية: الإمارات
السكن: دبي
الحالة الاجتماعية: متزوج وأب لطفلين
الدراسة: دبلوم رقابة جوية
الهواية: كرة قدم
اللون المفضل: الأزرق

