موعدنا كان الواحدة ظهراً، والمكان كعادته يعج حيوية وحركة وتداخلاً في الأجواء، بعضها استقبال وفرح وأخرى فراق وحزن، بحسب ما تشير تعابير وجوه المسافرين قادمين أو مغادرين، هناك في مطار دبي، الذي يعد واحداً من أبرز مطارات العالم وأكثرها تألقاً وامتيازاً.

توجهت برفقة زميلي المصور إلى حيث ينتظرنا غسان أمهز مدير في إعلام المطار، تصاريح الدخول كانت تنتظرنا في مكتبه، أصر على تقديم واجب الضيافة، قبل أن يتصل بالشخص المعني بتولي أمرنا لإيصالنا إلى مقصدنا في برج المراقبة، ووحدة الرقابة الجوية التي تنظم حركة الطيران المكتظ في سماء دبي. توجهنا بصحبة رجل أمن بالزي المدني يدعى محمد، مررنا عبر ماكينات التفتيش مثلما يمر غيرنا، فحساسية المكان لا تتسع للاستثناءات، ومن ثم سرنا نحو بوابة تطل على أسفلت المطار.

وفي الطريق إلى تلك البوابة استوقفنا أكثر من رجل أمن في أكثر من موقع للسؤال والتدقيق في تصاريح الدخول. عند البوابة انتهت مهمة رجل الأمن فعاد إلى موقعه بعد أن اطمأن على صعودنا إلى السيارة التي وقفت تنتظرنا في المكان، شاب مواطن يتولى قيادتها، ويسير في شوارع المطار بتأنٍ وحذر، فالرادارات تغزو المكان ولا مجال للسرعة، كما قال.

أمام البرج: بضعة دقائق حتى وصلت السيارة أمام برج المراقبة في قلب مطار دبي، ذلك البناء الذي نراه جميعنا من الخارج دونما نملك عن خباياه شيئاً، فبلوغه يتطلب كثيراً من الجهد والوقت، أحد موظفي وحدة الرقابة الجوية كان عند المدخل ينتظر لإيصالنا إلى مكتب المدير، وفي ذلك المكان لا مجال للتخبط في المسير يميناً أو شمالاً، فالجميع يقظ وحذر. فيما ضجيج الطائرات المغادرة والقادمة لا ينقطع، صعوداً أو هبوطاً. وبعد الدخول في ممرات ضيقة متعرجة واجتياز عشرات الأبواب التي لا تفتح إلا بواسطة رقم سري، وصلنا إلى مكتب إبراهيم أهلي مدير عام وحدة الرقابة الجوية الكائن في الدور الأرضي من البرج الذي يبلغ ارتفاعه 83 متراً ويتكون من 16 طابقاً.

وطوال فترة بقائنا في مكتبه، بدا أهلي منهمكاً في التحدث عبر هاتفه الأرضي وهاتفيه النقالين باستمرار، التقطنا منه بعض المعلومات حول عمل وحدته الجوية التي لولاها لخلت السماء من الطائرات، حيث قال: وحدة الرقابة الجوية أساس عمل المطار، فبإشاراتها وأذوناتها تتحرك الطائرات فتطير أو تهبط.

أهداف الرقابة

غير ذلك فقد تحدث أهلي عن أهداف وجود هذه الوحدة، المتمثلة في حماية الطائرات من التصادم في الأجواء، أو على الأرض، أو مع السيارات على أرضية المطار، أو حتى مع المباني، وإبلاغ الجهات المختصة عن أي طارئ، وتولي مهمة إنزال الطائرات على أرض المطار بأمان، والتأكد الدائم من أمن مهبط الطيران وخلوه من أية أجسام غريبة مهما كان حجمها، فوجود أي جسم وإن كان حجرا صغيرا يجبر العاملين على إيقاف حركة الطيران إلى حين إزالته لتوفير هبوط آمن للطائرات.

إضافة إلى ذلك فقد أوضح مدير وحدة الرقابة الجوية، أن العمل في مراقبة الطيران يتطلب شروطاً عدة، أولها إتقان اللغة التقنية الخاصة بالطيران وهي الإنجليزية، ودراسة علوم الطيران والرقابة الجوية وبرج المراقبة والرادار، إذ تستغرق مدة التأهيل للوصول إلى مراقب جوي 4 سنوات تتضمن السير في دورات داخل وخارج الدولة إن تطلب الأمر.

اللياقة الصحية

أما شروط اللياقة الصحية، فهي من المسلمات في عمل المراقب، إذ من المستحيل أن يجلس خلف أجهزة تنظيم عملية صعود وهبوط الطائرات أي شخص غير مكتمل اللياقة الصحية بأدق تفاصيلها، حيث تمنح رخصة مزاولة مهنة مراقب جوي، وتجدد كل عام بعد الفحص.

وتفصيلاً لآلية عمل المطار وبرج المراقبة بالتحديد، أضاف إبراهيم أهلي أن الطائرة تدخل فوق حدود الدولة الجغرافية تستقبل على الفور في مركز الرقابة الجوية في أبوظبي، فإذا كان اتجاهها لأي من الإمارات الشمالية تحول إلى رادار مطار دبي، ويقوم الرادار بدوره بتوجيه الطائرات إلى المطارات المقصودة، وعند نقطة بعد 15 كيلومتراً عن مدرج المطار المقصود سواء كان في دبي أو الشارقة أو رأس الخيمة أو الفجيرة، تسلم الطائرة بكافة تفاصيلها إلى برج مراقبة المطار المعني.

اتجاه الرياح

وفي حال الزحام أو الطوارئ على أرضية المطار، تحلق الطائرة على ارتفاعات منخفضة نسبياً وفي مدارات محددة، مع مراقبة متمكنة وتوجيه دائم من العاملين في وحدة رادار دبي، وحين تمنح الإشارة للطائرة تتوجه نحو المدرج للهبوط، حيث اعتبر أهلي أن وحدة الرقابة الجوية بما فيها الرادار والبرج، هي بمثابة «الريموت كونترول» الذي يحرك أجساماً ضخماً في السماء، فالطائرة لا تسير ولا تقوم بأية حركة إلا بمبادرة من المراقبين.

كما وأخبرنا إبراهيم أهلي أنه في كل يوم يحدد اتجاه هبوط وإقلاع الطائرات بناءً على اتجاه الريح، فمن المفضل أن تهبط الطائرة وتقلع عكس اتجاه الريح، وهو ما يحدث في مطار دبي، الذي تحول فيه حركة الطيران من اتجاه إلى آخر بناء على اتجاه الريح.

وتكتمل دائرة عمل الرقابة الجوية عبر ثلاثة مواقع عملية، ستزيد إلى خمسة في القريب العاجل، بحسب مدير الوحدة، وهي البرج الذي يستلم الطائرة من على بعد لا يقل عن 10 أميال بحرية، ويوجهها إلى المدرج للهبوط، وبعد الهبوط يتولى أمر الطائرة مراقب الحركة الأرضي الذي يسير الطائرة، وينقلها إلى البوابة، وهنا ينتهي دور وحدة الرقابة الجوية.

تصريح الخروج

وفي حالة الإقلاع يتولى أمر الطائرة مراقب الإذن وتصريح الخروج، الذي يهتم برصد مجموعة من المعلومات المهمة، منها: اسم الطائرة ووجهتها ودرجة الحرارة والظروف الجوية، وأي الخطوط تسلك بعد الإقلاع، ففي الجو توجد مسارات محددة ودقيقة أسوة بالشوارع، لا يمكن للطيار تجاوزها، ففي حال جنح الطيار عن خط سيره فلا يجوز أن يبتعد يميناً أو يساراً أكثر من ميل واحد، وتظل مهمة مراقبي الرادار في إعادته إلى مساره من خلال الاتصال المتواصل به.

أهم من ذلك، فإن وحدة الرادار في برج المراقبة تتولى منذ أن تدخل الطائرة في الدولة، الاتصال بالطيار وإكمال مشوارها عبر المسار الذي تسير به وتوجيهها على الدوام حتى الهبوط على مدرج المطار، أو مغادرة أجواء الدولة في حال كانت تعبر الأجواء مروراً إلى دولة أخرى، ولا استثناء في العمل لنوع الطائرة، سواء كانت تجارية أو عسكرية أو مدنية أو خاصة.

وعن هذه المهمة بالذات يقول أهلي إنه وفي مرات نادرة جداً يواجه المراقبون الجويون في وحدة الرادار صعوبة في التواصل مع بعض الطائرات من جنسيات محددة، وذلك لصعوبة فهم بعض المصطلحات الإنجليزية من قبل الطيارين، وإن كان موظفو الوحدة على درجة متميزة من الخبرة في التواصل مع المعنيين بلغة واضحة ومتمكنة بدرجة 100%، إذ أن مثل هذه الإشكاليات تحل سريعاً ويتم توجيه الطائرات بكل ثقة واقتدار.

طائرة ومراقب

وخلال تواجدنا في مكتب المدير، سألناه فضولياً: ماذا لو توقفت وحدة الرقابة ساعة عن العمل؟، أجاب: بالتأكيد سيغلق المطار على الفور، وستتصادم الطائرات في الأجواء، فأي مطار من العالم يقوم على أربعة أركان ثابتة، على أساسها تتم حركة الطيران، وهي: طائرة وطيار ومراقب ورادار.

فوق ذلك أكد أهلي أن الأمور الطارئة تبقى قائمة ومتوقعة في كل لحظة، ويبقى فريق العمل على أهبة الاستعداد والكمال لمواجهة أي طارئ، ومن أشكال الطوارئ نقص أو نفاد الوقود في طائرة تضطر لهبوط اضطراري، أو خلل فني، أو حالات إنسانية بين المسافرين، مرض أو ولادة.

إذ أن سلامة المسافر والطائرة تبقى على درجة واحدة من الأهمية، وفي حال مصادفة أي طارئ نفرغ الأجواء من الطائرات بذكاء أطلق عليه أهلي «لعبة الشاطر»، لتأمين هبوط الطائرة المضطرة.

تركيز

إبراهيم أهلي أكد أنه لا يمكن للمراقب الجوي أن يواصل عمله على جهاز (صعود وهبوط) الطائرات أكثر من ساعتين ونصف كحد أقصى، إذ أن التركيز في مثل هذا العمل هو أساس الأمان والسلامة، ومن الممكن أن يتعرض الموظف إلى فقدان التركيز الذهني.

لذلك تتوفر في وحدة الرقابة 5 فرق عمل يومياً، كل فريق يتكون من أكثر من 15 شخصاً، يتناوبون على مواصلة عمل المطار بسلاسة وأمان، مع توفير عناصر احتياط لكل فريق، أسوة بفريق كرة القدم.

دبي ـ عنان كتانة