رفيق سبيعي مبدع من جيل العمالقة في الساحة الفنية السورية، وصاحب حضور استثنائي.. في كينونته الكثير من الإبداع. جسّد أدواراً وغنى للبسطاء، وامتاز بالأدوار التي تعبّر عن همومهم وأحلامهم، إثر طواف في عوالم التلفزيون والمسرح، وانخراط في ميدان السينما.

خرج سبيعي من اسمه واشتهر بأسماء شعبية، تفرد بها في عمق الذاكرة إنه «القبضاي» الشامي وزعيم الحارة الدمشقية، الذي ناضل لتكريس نظرة جديدة ومغايرة للفن، فاستحق اللقب الذي ظل يعتز به طيلة مسيرته الفنية التي امتدت لما يزيد على خمسين عاماً، ومن غيره «فنان الشعب» (أبو صياح). حياة رفيق سبيعي في توق دائم للإبداع، ومسيرة فنية مليئة بالخفايا والأسرار، في جلسة مع هذا المبدع الذي لا يزال يلامس النجومية، ننبش في ذكريات أيام زمان، ليحدثنا عن أهم المحطات في حياته الفنية والخاصة في هذه الرحلة القصيرة التي استهله بالقول: «على صوت الفونوغراف القديم الموجود في منزلنا، اعتدت في طفولتي كتابة وظائفي المدرسية، على أنغام محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وليلى مراد، ولم تكن يداي تتوقف عن الكتابة، إلا حين تتوقف الاسطوانة..

ثقافة الاستماع والإنصات أمام الصوت واللحن، سيطرت على هواجسي وحركت مشاعري باتجاه المغنى والطرب، ولاحظ أهلي اهتمامي بالغناء وظهرت الخشية من أن أتجه إلى الفن، وأصبح مطرباً، إذ أن بيتنا ملتزم دينياً ، ما دفع أهلي للبحث عن مخرج لي من هذه الهواية التي أثارت حفيظتهم، فطلب والدي من شقيقي الأكبر الذي كان يهوى الأذكار وإحياء الموالد أن يأخذني معه. وتم ذلك بالفعل وحقق لي الغاية المنشودة، وقفت في الحضرات مع المنشدين، وأنشدت معهم كانت معظم الابتهالات قصائد جميلة لكبار الصوفيين أمثال ابن الفارض وغيره ومن حلقات الذكر، تعلمت أصول الإلقاء الغنائي والنغمات والإيقاعات، شكّل ذلك فيما بعد ذخيرة فنية استثمرتها في المسرح القومي في دمشق».

وللبيئة حضور محبب لدى «أبو صياح» وحينما نسأله عن البيئة يقول: «أنا من مواليد حي البزورية الشعبي، الذي يتوسط قلب دمشق القديمة، ويقع داخل سورها، ثمة مشاهد مطبوعة في ذاكرتي لا أنساها أبداً.. أتذكر حينما كنت أركب العربة (الكاميون) من سوق مدحت باشا إلى محطة الحجاز، حيث أجالس (العتالين) في المحطة، وأتعرف على عوالمهم وأحاديثهم، كنت أنشد إليهم باللاوعي وأتشرب منهم جرس اللهجة الشامية ورنينها، بيتنا يقع في أسفل الحي، كنت اعبر الجامع الأموي ذهاباً وإياباً وأتوقف أمام مقهى النوفرة الشهير، وأتعلق بالشبك الحديدي الخارجي لأتابع قصص الحكواتي «أبو احمد المنعش» بانبهار وإعجاب، واختزن طريقته الفريدة بداخلي دون أن أشعر، وأعتبره أستاذي الأول في فن التمثيل، سيطرت علي رغبة شديدة في التحرر والانطلاق، وأردت أن اكبر قبل الأوان، تنقلت بين عدد من المهن وكلها متواضعة وبائسة، وفشلت فيها جميعاً حتى أنني عملت بائع مرطبات في صالة سينما، لكي يتسنى لي رؤية الأفلام التي كانت تعرض.

منذ البداية كانت الدائرة التي أدور فيها هي الفنون بشكل خاص، بدأت أموري تحسم واتخذت طريق الفن، وهنا بدأت المعاناة مع العائلة، إذ قام والدي بطردي من المنزل، ولكن الهدف تحدد أردت الفن، ولا شيء سوى الفن».

عن مشوار البدايات، وكيفية تعلقه بالفن يقول سبيعي: «بعد أن طردت من منزل العائلة صممت على متابعة خطي الفني، وفي أواخر عام 1948 كان هناك مقهى على ضفة بردى يتحول إلى مسرح في العيد، ويأتي ممثلان كوميديان ليقدمان فصولاً ضاحكة مرتجلة عرفني بهم صديق لأخي الأكبر، وطلب منهما تشغيلي، وبالفعل علمني الرجلان كيف أقف على المسرح، وماذا أقول وفي ذلك المكان تقاضيت أول أجر من الفن في حياتي وكان ليرة سورية واحدة في اليوم، ثم انتقلت للعمل مع فرقة (علي العريس) كملقن من داخل الكمبوشة وهي(حجرة الملقن على أرض المسرح).. هناك تعلمت أصول الفن من خلال مراقبة الممثلين، وهم يؤدون أدوارهم، فيما بعد تعرفت على محمد علي عبدو الذي كان فناناً معروفاً وصاحب فرقة مسرحية، وقدمت معه أول عمل مسرحي (بياع نسوان).

في حلب، بدأت الأمور تزداد صعوبة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي أحاطت بي، ومن أكثر صور معاناتي أنني سافرت ضمن فرقة إلى اللاذقية لتقديم أحد العروض، ولكننا فشلنا وأفلسنا فاضطررت إلى رهن بطاقتي الشخصية مع سائق الباص لإعادتي إلى دمشق، على أن أدفع له الأجر بعد أن أعمل، وتكرر الأمر مرة ثانية في حلب، وأخرى في دير الزور وحمص إلا أنني كنت مصمماً على الاستمرار».

وسام

أخيراً.. حصلت على وسام الاستحقاق السوري، كان حلمي أقل من هذا بكثير، إن هذا الوسام الذي قلدني إياه الرئيس بشار الأسد يحملني مسؤولية توازي شرف التكريم، علينا أن ننهض بفننا الذي يختصر ثقافة أعرق أمة عرفها التاريخ.

دمشق ـ نهى سلوم