كل شيء هناك يوحي بما هو أكثر، فالمكان كما يبدو تخلى عن دوره التقليدي، والنهار يروح ويغدو دونما يشعر به أحد، في حين أن متعة الأصدقاء لا تكون إلا في ذلك الموقع المحاط بجدران كلّلها الظلام، بعد أن تخلى صاحبه عن العسكرية، ليعود بذاكرة فنية محولاً بيته إلى «ثكنة سينمائية»، كما تظهر شواهد المكان لعيون الأصدقاء والزائرين.

وكما هي العادات والتقاليد المتوارثة أباً عن جد، فإن «دلات» الشاي والقهوة العربية لا تغادر لحظةً طاولات السفرة المنتشرة على طول القاعة المسماة بحسب لهجة المواطنين «ميلس»، هناك في منطقة الحميدية بإمارة عجمان، حيث تقطن عائلة المخرج والممثل الإماراتي الشاب أحمد الكعبي، الظاهرة التلفزيونية والسينمائية، الذي تصلح قصة حياته لأن تحتضنها صفحات رواية ذات فصول طويلة ومتشعبة.

الدراسة العسكرية

منذ طفولته المبكرة، ارتضى له والده الذي يعمل في القوات المسلحة الدراسة في مدرسة خالد بن الوليد العسكرية في الشارقة، فتخرج منها، ثم درس في الكلية العسكرية، وراح ينخرط ثانية في الدراسة العسكرية البحرية، لكونه مولعاً بالرياضات البحرية على اختلاف أشكالها، ولكن شاء القدر أن يحرمه من إكمال مشواره العسكري، لإصابة ظهرت فجأة في رجله، وعند هذا الحد انتهت مسيرته في هذا العالم الخاص، فبدأ سريعاً يعود إلى حلم طفولي راوده طويلاً، وربما أخفاه منذ سنواته الأولى عن مسامع والده الذي ارتضى له فقط الإبحار في محيط الجندية.

قبل هذا الوقت، وتحديداً عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، سافر أحمد لمرافقة أحد أقاربه في رحلة علاجية إلى أميركا، وهناك ظل يسترق الدقائق والساعات لمتابعة عدسات السينما والفن الأميركية، وراح يبحث في كل اتجاه، عن كل ما يمت للسينما بصلة، حتى تمكن من التقاط بصمات إخراجية تراكمت في مخيلته على مدار شهور عدة، وهي مدة العلاج.

حلم السينما

عاد أحمد حاملاً في ذهنه حلم السينما ثانية، وواصل إكماله الدراسة العسكرية، إلى أن وقف القدر إلى جانبه بإصابة لم تكن لتمر على أي كان، من دون أن تترك كثيراً من بصمات الألم والمعاناة.

من الولايات المتحدة إلى تايلاند، سافر أحمد ثانية لتلقي العلاج هناك، لكنه هذه المرة كان المريض، الذي ظل هناك لخمسة شهور، قبل أن يعود إلى بلده في هيئة أثارت إعجاب كل من عرفه، فقد خسر من وزنه ما يقارب النصف، لكنه كسب على صعيد العمل المهني كثيراً، حيث جلب معه عدداً من الأدوات والتقنيات السينمائية رخيصة الثمن وعالية الجودة والأداء، وبها تمكن أحمد من رسم ملامح المرحلة المقبلة من عالمه المهني الخاص، كما يقول، وكأن قدره يفرض عليه دائماً أن يأخذ من المرض حصة من الخبرة المهنية.

كتابة السيناريو

يهوى المخرج الشاب أحمد الكعبي كتابة السيناريوهات على اختلاف أشكالها، وقد أنجز منها إلى الآن ثمانية، فهو بحسب ما يوضح يكتب دائماً للمستقبل، ومتى سنحت له الظروف صور وأنتج وأخرج إحداها، كيف لا وقد بات يملك ركناً خاصاً به، يتسع لكافة الأدوات التي يملكها، ويتصف بمواصفات مكتملة لسينما عصرية، حيث الشاشات الكبيرة، ونظام الصوت الدائري، والكاميرات والأجهزة المتناثرة في كل اتجاه.

في كتابة السيناريوهات، يضع الكعبي محاوره قبل أي شيء، ثم تتوالى في مخيلته الأفكار المتسلسلة في ربط الحكاية التي يبحث عنها، والمرتسمة على شكل بداية ثم حبكة فصراع، وصولاً إلى العقدة، ليعود ثانية للصراع والحبكة وأخيراً النهاية، ولا يقبل أحمد أن يسرد حكايته، بلا هذا المنطق الذي يؤهله كما يقول إلى إنجاز أفضل القصص والحكايات السينمائية الوثائقية والروائية.

عناصر الإخراج

وفي عمله السينمائي، يقول أحمد إن إخراجه يعتمد دائماً على عناصر الصورة والصوت واللقطة والإضاءة، فصفاء الصورة وقوة تعبيرها يبقيان الأداة الأبرز في إنجاح العمل وجذب انتباه المشاهد، حيث إن المشهد لابد أن تجسده عدة لقطات تصويرية متماسكة ومعبرة، وهذا الواقع بالتحديد يعتمد على ذكاء المخرج، وآلية تعاطيه من عدسة الكاميرا مع الموقف الذي هو بصدده.

ويؤمن أحمد الكعبي أخيراً أن الإخراج يرتكز على مجموعة لقطات وصور، فكل حركة للكاميرا لا بد أن تعني شيئاً، علاوة على أن عامل الوقت يبقى سيفاً مسلطاً فوق رأس فريق العمل بأكمله، الذي يتوجب عليه اقتناص الفرصة في أقل ما يتوفر له من إمكانيات وبيئات عمل، علاوة على احتساب كل صغيرة وكبيرة من عالم الإخراج المحيط به.

محطات

مشوار مع الكمبيوتر

أبرز ما ساند المخرج المواطن الشاب أحمد الكعبي في مشواره الفني، هو إتقانه بحرفية عالية التعامل مع الكمبيوتر، فهو كما يقول عرف ذلك الجهاز قبل نظام «الويندوز»، وعمل حينها وفق نظام «الدوس»، بينما كان لا يبلغ بعد العاشرة من عمره. واختتم لقاءنا المطول الذي تواصل لساعات في «ثكنته السينمائية» الخاصة، بالقول«أحلم بأن أنتج دائماً أعمالاً فنية لم يفكر بها أحد من قبل في الإمارات».

تجمع «الكورفت»

عمل الكعبي العام الحالي ضمن لجان التحكيم في مهرجان الخليج السينمائي، ورصد مع زملائه عشرات الأفلام التي جمعها أبناء الخليج، وقبل ذلك ساهم بجهود في مهرجان دبي السينمائي الدولي، وأعد مجموعة من الأفلام الوثائقية، عن الخيول و الصقور، أما الحدث الأبرز الذي، فهو التجمع السنوي لسيارات «الكورفت»، حيث يستعد حالياً لتنظيم التجمع الخامس للمجموعة، والذي سيضم مئات سيارات «الكورفت» التي يمتلكها الشباب من مختلف إمارات الدولة، وسيكون شعار الحدث هذا العام «السلامة المرورية».

شعبية الكرتون

أتقن الكعبي تجسيد شخصيتين رئيسيتين ضمن المسلسل الكرتوني الساخر«شعبية الكرتون»، حيث مثل دور «بومهير» و«مهير»، وهو يعد من الأسماء الأولى في ذلك العمل، ويتولى الإشراف والتنسيق لفعالياته.

برنامج وطني

ضمن برنامج وطني، ساهم المخرج الكعبي في إنشاء موقع وطني ش ض، الذي يوفر برنامج «كنوز الإمارات» و«سجل تراثك»، وهو موقع تراثي إماراتي يعنى بالهوية والأصالة.

حول الإمارات

أنجز الكعبي فكرة فيلم وثائقي حمل اسم «حول الإمارات»، تتلخص فكرته حول مجموعة من الشباب المواطنين يجوبون مختلف إمارات ومدن ومناطق الدولة، للتعريف بها ثقافياً وتراثياً وسياحياً.

دبي ـ عنان كتانة