فنانون قطعوا شوطاً كبيراً من طريق النجومية، وقدموا الكثير من الإبداع ولكن كما يقال إن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، والسؤال الذي يفرضه الواقع مفاده: هل من الممكن أن ينسى هؤلاء النجوم اللحظة الأولى التي جمعتهم بالكاميرا وانطباعهم في تلك اللحظة؟ وهل لا تزال تلك اللحظة حاضرة بالذاكرة؟

حينما بدأ الفنان العربي بالتمثيل على خشبة المسرح أولاً، لم يكن هناك معاهد يدرسون فيها، ولا أكاديميات عليا للتمثيل، لذا كان الأمر حينها وكأنه ضرب من ضروب الهواية والتمثيل العفوي أو الأداء البسيط للشخصيات. وهناك أسماء معينة في الوسط السوري يعترف بهم كأساتذة في فن التمثيل مثل سعد الدين بقدونس ونهاد قلعي ودريد لحام وعبد اللطيف فتحي وغيرهم من الفنانين السوريين الكبار الذين كانوا يكتفون بتوجيه بعض الملاحظات البسيطة للوافد الجديد إلى المسرح، ثم يقدمونه إلى معترك الحياة الفنية، كما تدفع الأم بابنها إلى الحياة لأول مرة. ولكن الوضع صار مختلفاً الآن، بعد أن حضرت الأكاديميات والمعاهد الفنية التي صارت تقدم مادة تدريسية لكل أنواع الفنون في العالم، وبات الوقوف على المسرح أو أمام الكاميرا شكلاً من أشكال البحث عن جذور الخوف الأولى، وها نحن نبحث في هذا الخوف الأول الذي انتابهم.

كيف كان إحساسك حين وقفت للمرة الأولى أمام الكاميرا، ومتى كان ذلك بل ماذا تعرف الآن عن تلك اللحظة، وهل تخلصت منها؟

بهذا السؤال اتجهنا نحو بعض الفنانين ممثلين ومخرجين لنعيدهم بالذاكرة إلى تجربتهم الأولى، مهما بدت بعيدة في عمق الذاكرة.

والبداية كانت من وراء الكاميرا مع المخرج باسل الخطيب، الذي بادرنا قائلا: «التجربة الأولى هي العشق الأول الذي لا ينسى وعلاقتي بالكاميرا مزيج من العشق والتحدي الذي بدأ حين كنت طالباً في السنة الأولى في معهد السينما بموسكو عام 1982، وطلب منا تقديم أفلام قصيرة مدتها حوالي العشر دقائق، وتولد عن هذه التجربة فيلمي الأول، في الحقيقة لا يمكن أن أنسى هذه التجربة بخصوصيتها وغناها معها اختبرت أدواتي كممثل حيث أديت بعض المشاهد أمام الكاميرا ومن خلالها وقفت للمرة الأولى كمخرج وراء الكاميرا».

وكان للمخرجة الشابة رشا شربتجي تجربة مختلفة مع الكاميرا التي تعلمت أبجدياتها وتفاصيلها من والدها المخرج المعروف هشام شربتجي، حدثتنا عنها قائلة: «أول مرة وقفت فيها كمخرجة وراء الكاميرا كانت في مسلسل (قانون ولكن) في نهاية العام 2002، وقد صورت المشاهد الأولى من العمل داخل بيت عربي في منطقة العفيف بدمشق، لم أعرف النوم في الليلة التي سبقت التصوير، وشعرت بتوتر شديد وسيطر علي احساس قوي بالندم خاصة، وأنني عملت لسنوات كمخرجة منفذة مستمتعة بما أقدم من عمل بعيدا عن تحمل المسؤولية الكاملة، وكما يقولون: «كان همي بقلب غيري»..

وضم المشهد الأول كلا من الفنانين بسام كوسا ومها المصري وقصي خولي، وجاءت اللحظة الحاسمة وبدأ العد العكسي، حيث تسارعت نبضات قلبي وارتفعت حرارتي وصبغ وجهي باللون الأحمر، ورغم كل هذا التوتر الداخلي، استطعت أن أحافظ على هدوئي الخارجي، وسارت الأمور بخير، ولكن رهبة اللحظة الأولى لاتزال ترافقني، فكل يوم إخراجي جديد بالنسبة لي هو تجربة جديدة أدخلها بكل رهبة وكل عمل في بدايته، أشعر وكأنه تجربتي الإخراجية الأولى، أما إحساسي بالندم لم يبق له أثر، بل تبخر وازداد تمسكي بقناعتي وبعملي».

أما أغرب الصدف التي رافقت المرة الأولى، فكانت مع الفنانة ليلى سمور التي قالت: أول عمل تلفزيوني شاركت به كان مسلسل «النجمة وأحلام أسامة» وهو عمل للأطفال من إنتاج التلفزيون السوري، وحاز على العديد من الجوائز، ولعبت في هذا المسلسل دور الفتاة التي تخرج من النجمة لتتحدث مع الطفل أسامة بطل العمل، وتكتب له أحلامه وترسم خياله، وكنت لا أزال طالبة بالسنة الثانية في المعهد العالي للفنون المسرحية، ومن أصعب اللحظات في حياتي، كانت وقفتي الأولى أمام الكاميرا شعرت بأن قلبي يكاد يتوقف من شدة الخوف والارتباك، وأن عين الكاميرا تحدق مباشرة في عينيي وكأنها تراقبني، وحتى تكتمل فصول القصة سقط اسمي سهواً من بين أسماء الممثلين المشاركين في العمل، ما أضاف إلى إحساسي بالتوتر إحساسي بالقهر، وحتى تتحول هذه التجربة إلى بصمة لا تنسى».

ويتحدث الفنان المسرحي فايز قزق عن وقفته الأولى على خشبة المسرح قائلا: «كنت طالباً في المرحلة الإعدادية عام 1972، عندما قدمت «اسكتشا» عن جنود إسرائيليين يقتحمون منزل شاب فلسطيني، وكان ذلك على خشبة مسرح ثانوية المحبة في دمشق.. كنت مندهشاً ومتحمساً لدرجة أنني شعرت وكأنني أمير من القرن السابع عشر، لأجد نفسي عام 1981 من طلاب الدفعة الأولى التي خرجها معهد الفنون المسرحية».

دمشق ـ نهى سلوم