النبات مخلوق حي مثل الإنسان، يبدأ رحلته مع الحياة صغيراً وينمو شيئا فشيئا، يتغذى ويتنفس ويحب، يتأثر ويحس بما حوله ويتفاعل معه، بل يعبد ربه كما البشر وكل المخلوقات امتثالاً لقوله تعالى «وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم».
والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعاً حسناً، أما الأرض الخبيثة فلا خير فيها، ما يؤكد أن النبات يتميز بالإحساس، وقديما أكد قدماء المصريين أن لغة الزهور أبلغ من لغة الكلام، ومهما ارتقت حضارة الإنسان يبقى عالم النبات بأسراره ومكنوناته، يتحفنا من وقت لآخر بفك ألغازه وبكل ما هو جديد وعجيب وغريب. الدكتور محمود السيد الشاعر وهب جزءاً كبيراً من حياته للنبات، هاويا ودارسا ومتأملاً، واستمر أكثر من ثلاثين عاما يعالج مختلف النباتات، حتى أصبح طبيبا مبتكرا لمختلف الأمراض التي تصيب الزهور، تلك المخلوقات الضعيفة التي تصمد أمام أعتى الأعاصير والعواصف، ورحلته الطويلة مع النبات لا تقتصر على مجال دراسته، بل تمتد إلى مرحلة الطفولة، حينما كان صغيرا يساعد والديه في ري النباتات، حتى أصبح الأمر هواية مفضلة إليه.
يتكلم ويشعر ويؤكد «الشاعر» أن الزرع يتكلم ويشعر مثل البشر تماما، وأن إهماله يعتبر مشكلة كبرى قد تؤدي إلى وفاته، مشيراً إلى أن تجربته الحقيقية مع النبات بدأت عندما ذهب إلى أحد معارض الزهور، ولاحظ أن القائمين على رعاية هذه الزهور ليس لديهم القدرة على معرفة أبسط أساسيات التعامل مثل كمية الماء التي يحتاجها وكذلك مدى حاجته للضوء والظل، واختلاف ذلك من نبات إلى آخر. ويلفت إلى رسالة الماجستير التي قدمها في العام 1999، حول نبات يسمى «الجاردينيا» يعني زهرة جميلة لكنها كانت تموت قبل تفتحها، وأنه توصل إلى أنها تحتاج إلى كمية من الحديد يجب أن يتواجد داخل التربة «.ب» ليعطي درجة حموضة وقلوية ملائمة.
موضحاً أن سقوط الزهرة سببه فطر حلقي يقوم بخنق الزهرة فتسقط قبل النضج، ومنذ هذا التاريخ قرر افتتاح عيادة طبية خاصة بالنبات، وكانت هذه أول عيادة زراعية في مصر تقوم بعلاج النبات وتقدم الإرشادات الصحية في هذا الشأن.أول عيادة يضيف الشاعر: قمت فور التخرج بإنشاء أول عيادة زراعية في معرض زهور كلية الزراعة بجامعة القاهرة، لم تزد العيادة في بداية التجربة على منضدة موضوع عليها بعض أنواع التربة، وعدسة مكبرة لفحص الأوراق، وجهاز بسيط يسمى «هيغروميتر» لقياس الرطوبة والحموضة والضوء، أما الأسمدة الطبيعية فتتكون من بقايا قشور الخضر والفاكهة المجففة بالفرن الكهربائي تم طحنها، والتي يتم وضعها في التربة لإجراء عملية تغذية طبية للنبات.
ويتطرق طبيب النبات إلى اكتشافه تركيبة تقي من الفطريات والحشرات، موضحاً أنها تتكون من بصل مطحون وثوم مجفف ومطحون أيضا، وكذلك شيح وسمسم بدون طحن لاحتوائه على مادة فعالة مضادة للنمل، وأنه أطلق على هذه التركيبة اسم «المبيد الفطري الشامل»، مؤكدا أن التجارب أثبتت فاعليتها.
ولأن الطريق أمام د. محمود الشاعر لم يكن ممهداً بالورود التي طالما عكف على رعايتها، بل صادفه العديد من العقبات، ومن ذلك عدم تقدير بعض الجهات الإدارية للجهد الذي يبذله فلم تتح له مقرا دائما لممارسة هوايته الإنسانية.
ويوضح ذلك بقوله: قمت بتقديم طلب لمحافظة القاهرة لإنشاء عيادة ومعرض للزهور أسفل جسر 15 مايو بالزمالك، وبالفعل حصلت على الموافقة، إلا أنني فوجئت بعد ذلك بقرار إزالة للمعرض بدعوى أن المياه المتبقية من النبات تؤثر على أساسيات الجسر، واضطررت لنقل المعرض إلى ميدان الأوبرا بالعتبة على مساحة 60 مترا.
جيل جديد
الطريف أن د. الشاعر يستخدم في علاج النبات سماعة طبية كما الطبيب البشري، مبررا ذلك بالاطمئنان على سير العصارة النباتية داخل جسم النبات سواء في الشتاء أو في الصيف، ويستخدم أيضا مشرطا صغيرا كما الجراح، وذلك لقحط الأجزاء الفاسدة التي تظهر أسفل النبات، كما يستخدمه أيضا في عمل عقلة نباتية، وأتت العيادة ثمارها وأثبتت نجاحها.
لكن الأمر عاود الانتكاس بعد صدور قرار آخر من محافظة القاهرة بإزالة المعرض، وفي هذه المرة الثالثة قام طبيب النبات بنقل العيادة إلى منزله مخصصا أرقام تليفونات للاستشارات الزراعية المجانية، واستعان في ذلك بمجموعة من الشباب الذين يعانون البطالة ولديهم ميول وهوايات نباتية.
مكتبة نباتية
مع استعانة د. «الشاعر» بعدد من الشباب في عيادته، قام بتخصيص مجموعة منهم للزيارات المنزلية للنباتات للقيام بالصيانة الدورية، كذلك بالفنادق والشركات والسفارات.. كما قام بتأسيس مكتبة زراعية تقدم جميع أنواع المعرفة المتعلقة بعالم النبات، فضلا عن قيامه بتأليف ثلاثة كتب تتضمن أساسيات الرعاية المنزلية للنباتات.
ويؤكد الشاعر أن النبات يتعرف إلى صاحبه عندما تتغير الأيدي الراعية له، ويلفت إلى تجربة قام بها لتعويد النبات على شخص واحد برعايته من خلال تدليك الورق، والتي لها أثر واضح في زيادة فاعلية النبات، واتضح أن النبات يشعر حينذاك بالحنان وراحة النفس، وعندما تم تغيير الأيدي الراعية له بدأ النبات يذبل شيئا فشيئا.
نصائح غريبة
أشار الشاعر إلى أن زعزعة النبات من حين إلى آخر بالشقرف الصغير تساعد على تهوية جذور النباتات ما يجعله يتكيف مع البيئة المحيطة به، وأن تدليك أوراق النبات برقة وحنان بقطعة من القماش المبلل يكسبه الحنان ويساعد على سريان عصارته، وأن بعض النباتات تحتاج إلى بقايا القهوة كالفل فهي تجعله يتنفس بقوة وتزيد من أوراقه، وري النبات بماء دافئ في الشتاء وجعله قريبا من المدفئة يساعد على انتعاشه.
وفي الصيف وضع مكعب من الثلج فوق الأرض لتخفيف شدة الحر على النبات كذلك إبعاد النبات عن البخور ودخان السجائر وأخطار الملوثات البيئية، وفي حالة السفر لقضاء الإجازات الطويلة توضع زجاجة ماء مملوءة بالماء ومسدودة بالقطن أو الأسفنج، حيث توضع بجوار النبات فتصبح عملية رضاعة طبيعية للنبات أثناء السفر.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية



