سعيد صالح قنبلة كوميدية تزن 500 طن كما وصفه الكاتب الساخر محمود السعدني وهو كشخص متفجر بالكوميديا، ولكنه حزين ثائر يشعرك انه للتو ينوي القيام بثورة لقب نظام الفن، كوميديان من طراز فريد، صاحب موهبة كبيرة ولكنه محاط بعلامات استفهام كثيرة.
هو فنان بدرجة مهاجم لا يعرف المهادنة، لا يفتعل خفة الروح، بل يطلق العنان لتلقائية بلا حواجز، يعتبره كثيرون أحد أبرز نجوم الكوميديا في تاريخ السينما المصرية، ويعتبره آخرون سيء الحظ لما واجه من عثرات عديدة أبرزها دخوله السجن لمرتين، فضلا عن تعرضه لآلام حادة في القلب بسبب ضيق ثلاثة من شرايينه. وبرغم تعب القلوب إلا أن قلبه لم يتعب من العطاء بعد تاريخ تجاوز خمسين سنة فناً، وما زال قلبه ينبض بالإبداع الكوميدي، وما زال نهر العطاء ثائراً متمرداً لا يخشى في الحق لومه لائم كل أرائه الفنية جريئة إلى حد الذبح مثل أعماله ولا تترك فرداً إلا انتقدته. صنفه البعض ك«سنيد» لبعض النجوم، إلا أنه يصرخ بأعلى صوته مؤكدا أنه الزعيم ولم يكن أبدا سنيدا لأحد.. مع النجم سعيد صالح كان لقاء «الحواس الخمس» في مكاشفة فنية وإنسانية خالية من أية محاذير وفيما يلي تفاصيل الحوار:
تمتد رحلتك الفنية في المسرح والسينما والتلفزيون أحياناً لأكثر من خمسين عاماً.. فمن أين نبدأ؟ يضحك بأسلوبه المعتاد قائلا: «أنا لسه ماكبرتش»، وصمت لحظة أضاف بعدها: الحمد لله، لقد حققت كل ما أريده في الفن، قدمت معظم الأدوار التي تمنيتها، ومازال عندي الكثير، وطالما بقيت على قيد الحياة سأظل أفكر وأبدع وأناقش بلا سأم، وأنا لم أترك شيئا إلا وقدمته، سواء في السينما أو المسرح والتلفزيون أيضا، وشاركت في رحلتي الفنية مع كل نجوم الفن، بداية من العملاقين حسين رياض ويوسف وهبي، مرورا برموز جيلي مثل عادل إمام ومحمود ياسين وأحمد زكي، وانتهاء بنجوم الجيل الجديد مثل محمد هنيدي.
تصنف أعمالك المسرحية باحتوائها على كثير من الإسقاطات السياسية.. فهل تتعمد ذلك؟
لا أتعمد الإسقاط السياسي، لكنني أنقل نبض الشارع الذي انتمي إليه، فأقدم مشاكل الناس وآمالهم، ولا أزعم أن أعمالي تقدم حلولا لهذه المشكلات، لكنني أطرح المشكلة، وعلى الحكومة أو الشعب أو المسؤولين معالجتها، ولو لم يعرض الفن مشكلات المجتمع فمن يفعل؟ ولا شك أن المسرح بما فيه من تواصل مباشر مع المواطن يعرض هذه المشكلات الاجتماعية حتى يمكن إيجاد حلول لها.. وفي جميع أعمالي لاسيما المسرحية أحاول ذلك، بداية من «مدرسة المشاغبين»، «العيال كبرت»، «أولادنا في لندن»، و«قصة الحي الغربي».
لذلك تتعمد الخروج عن النص في كثير من مسرحياتك؟.
لا أتعمد ذلك، لكنني أتفاعل مع الواقع الذي يعيشه الجمهور، فالمسرح ليس مكانا لاستحضار الضحكات، ولا مهاجمة بعض الرموز، بل أرى أن دوره الأكبر تشكيل وجدان الناس، والتفاعل مع الواقع الذي يعيشونه، وهذا ما فعلناه في مسرحية «مدرسة المشاغبين» عندما لاحظنا تراجع أخلاقيات بعض الطلاب.
على ذكر «مدرسة المشاغبين» ألا تتفق مع الآراء القائلة إنها تسببت في إفساد الأجيال التي شاهدتها؟
يا سلااام، ومن أفسد الأجيال السابقة على عرض المسرحية؟، «مدرسة المشاغبين» نبهت إلى خطورة بعض المفاهيم التي ظهرت بين شباب السبعينات، وطرحت مشكلة الثانوية العامة بموضوعية ساخرة دون مهاجمة أحد، وقلنا إن هناك مشكلة في المرحلة الانتقالية للطلبة من الإعدادي إلى الثانوي، وبالمناسبة لم يستطع أحد حلها إلى الآن، وبسبب ذلك مازالت القيم الاجتماعية في تراجع مستمر.
النقد تركز على أن الطلاب يقلدون التصرفات الخارجة التي قام بها نجوم العرض؟
من يقلد من؟ نحن لم نبتدع شيئا من الفراغ، بل قدمنا صوراً موجودة بالفعل في المجتمع، ربما لم تكن ظاهرة للعيان، لكنها كانت موجودة، وهل معنى أنني قدمت عملا يظهر فيه طالب سيء السلوك أنني أروج لهذا السلوك؟ وهل عندما أقدم نموذجا لشاب مدمن وأبين الآثار السلبية التي تلحقه بسبب الإدمان أنني أروج للمخدرات أو الخمور، أم أنني أريد أن أوضح النهاية المأساوية التي ستلحق به.. دعيني أقولها كلمة صريحة.. يكفي هذه المسرحية شرفا أنها أخرجت كوكبة من النجوم المتميزين مثل عادل إمام، أحمد زكي، يونس شلبي.
أفلامي تافهة
إذا تحولنا إلى السينما نجد تصنيفا في انتظارك بأنك ارتضيت أدوار السنيد.
على الرغم من أنني أعتبر من أكثر الفنانين الذين قدموا أفلاما سينمائية تجاوزت نحو 530 فيلما، إلا أنني اعترف بأن غالبية الأفلام التي قدمتها كانت تجارية وتافهة وليس لها أية قيمة، ومع ذلك لم أكن أبدا سنيدا، بل مساندا لأساعد أصدقاء مثل عادل إمام الذي أصبح زعيما بالدور الذي كان من المفترض أن أؤديه في «مدرسة المشاغبين» أو من أبنائي جيل الشباب مثل محمد هنيدي الذي جاملته في فيلم «بلية ودماغه العالية».
تعترف بأنها تافهة.. فلماذا قدمتها؟
هذه الأفلام بي ومن غيري كانت ستقدم، فقلت في نفسي لماذا لا أقدمها وآخذ الفلوس وأصرف على المسرح، لأني كنت أنتج مسرحياتي وأقدمها على نفقتي، بدلاً من أن اضطر لمد يدي أو للسرقة مثلاً، وعلى فكرة، معظم أفلام المقاولات التي قدمتها أفضل بكثير من بعض الأعمال السينمائية التي تطرح الآن.
تجربة
تهمة تعاطي المخدرات
عن تجربة السجن في حياة سعيد صالح قال: على فكرة أنا سجنت مرتين، أول مرة كانت قضية «خروج عن النص» لا أدري نص إيه»، وقتها سجنت 17 يومًا، بعدها سجنت لمدة عام كامل بتهمة تعاطي المخدرات، هذه السنة كانت فارقة في حياتي، فقد حفظت القرآن، وأصبحت أكثر حرصا على الصلاة، وأديت مناسك الحج ثماني مرات متتالية منذ 1997 وإلى الآن.
عادل إمام أخذ دوري في مدرسة المشاغبين
على ذكر عادل إمام.. ما حقيقة أنه استولى على الدور الذي كان من المفترض أن تقدمه أنت؟
كلام سخيف لا أصل له، وأحب أن أوضح أن جيلنا كان فيه روح حلوة وجميلة جدا، فعادل يتمتع بأخلاق أولاد البلد، ولا يمكن أن يخون أقرب أصدقائه، وحقيقة الأمر أنه أعجب بدور «بهجت الأباصيري» الذي كان من المفترض أن أقوم به، وطلب مني أن نتبادل الأدوار، فوافقت على الفور، ولو كان عادل في موضعي وطلبت أنا منه ذلك ما تردد لحظة واحدة.
مع ذلك يقال عن جيلكم إنه جيل غير وفي لأصحابه بدليل أن الراحلين يونس شلبي وحسين الشربيني اشتكيا من عدم السؤال عنهما في مرض الموت.
يونس وحسين رحمهما الله لم يشتكيا أبدا من تجاهل زملائهما، بل إن يونس قبل وفاته بأيام أكد في أحد البرامج التلفزيونية أن زملاءه دائمو السؤال عنه، وزيارته كلما سمحت حالته بذلك، ويجب ألا ننسى أن المريض يحتاج إلى الراحة أكثر من حاجته إلى زيارات تجهده صحياً، ولا أذيع سرا عندما أقول إنني كنت دائم السؤال عن يونس شلبي، لأنه من أقرب الأصدقاء إلى قلبي.
هل تتواصل مع أسرته؟
بلا شك، وكنت مع أولاده وأسرته في الحج هذا العام، وبالمناسبة يونس توفي وهو مرتاح ماديًا، وليس صحيحا ما روجه البعض من أن أسرته اضطرت لبيع مقتنيات منزله لدفع تكاليف علاجه في مرضه الأخير.
لكن بعض أبناء جيلك مثل سيد زيان وجورج سيدهم صرحوا بأنه لا يوجد أحد يسأل عنهم في مرضهم؟
هذه علاقات إنسانية يفترض ألا تكون مادة إعلامية، فلو قلت إنني دائم السؤال عن كل الفنانين سواء المرضى أم الأصحاء في الوسط سيقول البعض إن سعيد صالح يروج لنفسه، ويقول ما لا يفعل، وإن قلت إنني لا أتصل بأحد سيقولون إنني أتنكر لأصحابي، لذلك مثل هذه الأمور تشبه من يخرج صدقة، عليه قدر الإمكان أن يخرجها في السر.
ورثت هواية الفن عن والدي عامل شركة «الغاز»
ماذا تفعل أوقات فراغك؟
أفكر في موضوعات جيدة أعود بها للمسرح، كما أني أهوى التلحين، وهذا ما لا يعرفه كثيرون عني، وسبق أن قدمت ألحان العديد من مسرحياتي.
من أكثر شخص تأثرت به؟
والدي، وهو إنسان بسيط كان يعمل في شركة «الغاز»، وكان دائما ما يقلد الصنايعية، وقد ورثت هذه الهواية عنه، فكنت في المدرسة أقوم بتقليد الفنانين، وألقي النكات، حتى اشتهرت في المدرسة، وهنا ظهرت مواهبي الفنية.
هل تتذكر أول قصة حب مررت بها؟
أنا حبيب قديم، وأول قصة حب في حياتي كانت في المرحلة الابتدائية، كنت أحب تلميذة بالنظرات، وبعد أن كبرت عشت قصص حب كثيرة، معظمها مع فنانات كانوا «بيموتوا في» لكن خلي الطابق مستور.
ماذا عن أول زواج؟
تزوجت مرة واحدة، وطلقت مرة واحدة، وأنجبت بنت واحدة، «هند».
وماذا عن ذكرياتك مع عبدالحليم حافظ؟
كان صديقي، وكنت أحبه جدا، ولم يستطع أحد أن يملأ مكانه، جاء وسط عمالقة واخترقهم، وأصبح عملاقا مثلهم، وآخر مرة قابلته كان في الإسكندرية، كنت وقتها أقدم مسرحية «العيال كبرت»، وكان وقتها يقدم أغنية «قارئة الفنجان» والناس هاجمته، وكان متأثرا جدا يومها أخذته في حضني وقلت له: «لا تهتم، أنت نجم تقدم ما تراه مشرفا لتاريخك حتى ولو لم يعجب الناس». وكان هذا آخر لقاء بيني وبينه، بعدها توفي وحزنت لذلك كثيرا.
وسعاد حسني
كانت إنسانة طيبة جدا، وانطوائية بعكس أفلامها المشاغبة الجريئة، كانت في حالها، وأصدقاؤها في الوسط كانوا قليلين جداً.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


