مرت الأغنية الشعبية في مصر بتحولات كثيرة، وأسماء عديدة، فمن ينسى «ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين» لمحمد عبدالمطلب، أو «يا رايح فلسطين حود على أهل غزة، تقعد مع أهل الكمال تكسب وتتغذى» لرائد الموال محمد طه، أو «أمونة بعتلها جواب» لشفيق جلال، مرورا ب«السح الدح أمبو» لأحمد عدوية، انتهاء ب«هبطل السجاير» لشعبان عبدالرحيم، و«أنابيب» ريكو، و«عنب» عماد بعرور وغيرها من الأغنيات.
وبينما يشن كثيرون هجوماً حاداً على هذا اللون الفني، ويتهمونه بالتسبب في تلويث الذوق العام، يرى آخرون أن الأغنية الشعبية ما هي إلا تنفيسا طبيعيا عن المشاعر.. وعلى حد تعبير شاعر العامية عبدالرحمن الأبنودي، فإن الأغنية الشعبية نتاج لهموم المجتمع، ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تكون أحد معاول الهدم لثقافته، ويقول: «خرجت من بيئة أظنني أول من عبر عنها بصورة حقيقية وتفصيلية، كانت الحياة في طفولتي فقيرة إلى درجة النزول تحت الصفر، لكن على الرغم من هذه المعاناة كان الكل يغنى، الرجال والنساء والأطفال يغنون من تحت الشواديف، أو خلف السواقي، أو فوق النوارج.
أو من يجرى خلف الحمير وهى تحمل أكياس الغلال، الحياة لم يكن يخفف من شقائها هناك سوى الغناء. وحول حال الأغنية الشعبية الآن والهجوم المتزايد عليها، يرد الأبنودي على من يقولون إن شعبان عبدالرحيم تسبب في إفساد الذوق العام، بالقول: «إنه ليس أسوأ الظواهر الغنائية الموجودة.
بل إنه يحاول أن يقترب من موضوعات سياسية واجتماعية ملحة، حتى لو كان ذلك بسذاجة كبيرة، لكنه في النهاية يحاول، فهو بلا شك أفضل من فنانين عصريين كثيرين.. وعلى الرغم من أنني قدمت العديد من الأغنيات الشعبية لنجوم الغناء الشعبي مثل محمد رشدي، من الصعب أن أقدم شيئا لشعبان، لأن لوني لا يتناسب مع ما يقدمه».
واقع مأساوي
ويعبر الفنان هاني شاكر عن سخطه الشديد لما آل إليه حال الأغنية قائلاً: «نعيش واقعاً مأساوياً، حائرا بين الاستنساخ والتقليد والعودة إلى التراث القديم، بعد أن تم صياغته بطريقه تهدف لإثارة غرائز الشباب، وجيلنا لم يعد قادرا على الصمود أمام أغنيات هابطة من عينة العنب والخوخ والطماطم والخيار».
الساحة بخير
ويؤكد الفنان حكيم أن الأغنية الشعبية بخير، وأن ما يقال عنها لا يخرج عن كونه غيرة فنية، ويضيف: أقدم أشكالاً جديدة من الأغنية الشعبية، فمواويل محمد طه التي حققت نجاحاً كاسحاً في أربعينات القرن العشرين، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتناسب مع روح العصر الذي يتسم بالسرعة والإبهار، لذلك أحاول تقديم اللون الشعبي بطريقة جذابة تواكب العصر.
وقد مرت الأغنية الشعبية بثلاثة أجيال، بداية من محمد طه، محمد عبدالمطلب، عبدالعزيز حمودة، وعبدالعزيز محمود، ومروراً بجيل محمد العزبي، ومحمد رشدي، وشفيق جلال، وأحمد عدوية، وصولا إلى جيلنا الحالي الذي يضم أسماء عديدة منها شعبان عبدالرحيم، وحسن الأسمر، وعلي حميدة، وطارق الشيخ، وعبدالباسط حمودة، وسعد الصغير، وعمدة، وبهاء سلطان، وعماد بعرور، وريكو وحماده هلال.
اعتراف وتقدير
بهاء سلطان الذي اشتهر بكثير من الأعمال الغنائية ذات النبرة القوية، منها: «قوم أقف وأنت بتكلمني»، «الواد قلبه بيوجعه»، لا يزعجه تصنيفه كفنان شعبي على شاكلة محمد رشدي، لكنه يرفض الدخلاء على هذا اللون.
مؤكدا أنه لا ينزعج بوصفه مغنياً شعبياً، قائلاً:«يشرفني أن أحافظ على هذا الفن، وهذا اللون الذي أبدع فيه عباقرة مثل: محمد رشدي ومحمد العزبي، وأحمد عدوية، لكنني في الوقت ذاته أرفض الأغنية الدخيلة التي يتم فيها حشر رقصات ماجنة، تلهي المتفرج عن التأمل في معاني الكلمات».
ويضيف سلطان قائلاً:«أريد أن أقول لمن يتهجمون على الأغنية الشعبية أن موسيقار الأجيال الراحل محمد عبدالوهاب، كان من أشد المعجبين بأحمد عدوية، وكثيرا ما كان يدندن بأغانيه، كما أن عبدالحليم حافظ غنى في إحدى الحفلات الخاصة أغنية عدوية «السح الدح أمبو»، بينما غنى عدوية أغنية عبدالحليم «خسارة فراقك يا جارة»، وهذه أكبر شهادة اعتراف وتقدير بالأغنية الشعبية من عملاقين بحجم عبدالوهاب والعندليب الأسمر.
تفاعل
إلى ذلك، يؤكد نجم الأغنية الشعبية حاليا شعبان عبدالرحيم الذي لا يخجل أبدا من الاعتراف بأنه بدأ حياته كصبي «مكوجي»، أنه يعبر في أغنياته عن أحاسيس الناس، فيتفاعل مع همومهم في حادث قطار، أو يعبر عن كراهيتهم للصهيونية والعنصرية الإسرائيلية، أو ينتقد عادات اجتماعية مثل التدخين حيث قدم أغنية بعنوان «هبطل السجاير».
ويقول شعبان: «التقط مضامين أغنياتي من الأحداث اليومية، فعندما جرى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري قدمت أغنية تدين الإرهاب، فالفن الشعبي منذ القدم له حضور قوي كبير في وجدان كل الشعوب العربية، لأنه ينعش الأحاسيس، ولكل مطرب شعبي لونه، وكل مرحلة لها جيلها، فأنا لي جمهوري وجيلي، مثلما كان لأحمد عدوية جمهوره وجيله، وأعتقد أن سر نجاحي أن جميع الأغنيات التي قدمتها بسيطة تصل إلى وجدان الشعب بلا تعقيد.
من الناس
ويعرف الكاتب علي الشناوي الأغنية الشعبية بأنها العمل الذي يخرج من الناس، ويعبر عنهم ويستطيعون غناءه، والفنانون الذين يعملون في ساحتها أشخاص عاديون يشعر المستمعون بأنهم مثلهم، وليسوا نجوماً هبطوا من السماء.
وعلى الرغم من ذلك، يؤكد الشناوي أن هناك مطربين بارزين قدموا أغنيات شعبية منهم أم كلثوم التي تغنت بكلمات بيرم التونسي «قول لي ولا تخبيش يا زين.. إيش تقول العين للعين»، كما غنى عبدالحليم «على حسب وداد قلبي»، وغنت فايزة أحمد «يامه القمر ع الباب» وصباح «الغاوي ينقط بطاقيته».
أخيرا، يوضح إسلام خليل المؤلف الأول لأغنيات شعبان عبدالرحيم أن الأغنية الشعبية هي التي تتطرق للمشكلات الاجتماعية، وتمتاز ببساطتها من دون إسفاف، وانتشارها بين جميع فئات الشعب، وتلعب دوراً مهماً في إدخال البهجة على صدور الناس، بعيدا عن الخيالية .
القاهرة ـ محمد عبدالعزيز

