خلق مهرجان دبي السينمائي الدولي حالة من الفوران في الوسط السينمائي العربي والدولي، وسمعة كبيرة نلمسها الآن وبشكل واضح في أرجاء مهرجان كان السينمائي.

هذه الحالة الخاصة التي لم يتجاوز عمرها الأربع سنوات، ربما تكون استثنائية، نظراً لصغر عمر المهرجان وحداثته، وسط آلاف المهرجانات السينمائية التي تُنظم في العالم سنوياً. فمن النقاد، إلى مديري المهرجانات، إلى شركات الإنتاج والتوزيع، إلى النجوم. الكل بات يعرف المهرجان، والأغلب يتمنى زيارته.

هذه الفورة تعود لأسباب عديدة، تبدأ بمدينة دبي نفسها التي سبقت سمعتها المهرجان، وأصبحت مثل الحلم لدى الكثير، ثم للبنية التحتية السليمة التي توفرها المدينة، بدءاً بالطيران، والمطار، والفنادق، وصالات العرض، والتسهيلات اللوجستية، وأيضاً للقيادة الواعية للحكومة، والمسؤولين عن المهرجان.

ثم تأتي رؤية المهرجان التي لعبت دوراً مهماً في التميز، وفي إضفاء نكهة خاصة لا توفرها المهرجانات الأخرى؛ فمن التخصّص بالسينما الإماراتية والعربية.

وتبني شعار «ملتقى الثقافات والإبداعات»، إلى الاحتفاء بالسينما العالمية، إلى «ملتقى دبي السينمائي»، وانتهاء باستقطاب النجوم، وبالتنظيم فائق الدقة، هذه العوامل مجتمعة وضعت المهرجان في قلب المنافسة، وأرست لقواعد سليمة في تنظيم مهرجان عربي الأصل والمنشأ، عالمي الصنعة والحرفة.

للوقوف على هذه النجاحات، وجديد المهرجان، تقدم «الحواس الخمس» كشف حساب لرئيس مهرجان دبي السينمائي عبد الحميد جمعة في يوم مشمس على شاطيء الريفيرا ليأخذنا بصراحته المعهودة إلى كواليس الدورة المقبلة:

شهادة الجودة «الأيزو»

أعلنتم عن حصول مهرجان دبي السينمائي على شهادة الجودة «الأيزو»، وربما تكون هي المرّة الأولى التي يحظى فيها أي مهرجان سينمائي على هذه الشهادة، كيف تنظرون لهذا الإنجاز؟

بعد خبرة أربع سنوات، والتنقل والتجوال بين المهرجانات الدولية في مختلف أنحاء العالم، واستشفاف مناطق القوة والضعف في كل مهرجان، وصلنا كإدارة إلى قناعة بأن المهرجانات الجيدة قليلة، وهناك تباين كبير في المستويات. أي مهرجان سينمائي جيد يجب أن يقوم على عدّة أعمدة: الرؤية، البرمجة، الضيافة، التنظيم، النشاطات المصاحبة، دعم صانعي الأفلام، والورش شريطة أن تنسجم كلها مع بعضها بعضاً تحت إدارة واعية، وفي ذات الوقت توثقها عبر الدليل الخاص لتكون مرجعاً لكل الموظفين في المهرجان، ولأولئك الذين سيلحقون به في المستقبل.

ربما تكون إدارة المهرجان شمولية بهذا المعنى، ولكنها لا تلغي الاعتماد على شخص واحد يحدّد رؤية واستراتيجية المهرجان بحيث لا تضيع القرارات بين الأصوات الكثيرة؟

شاهدنا فيلم افتتاح مهرجان «كان» لهذا العام «عماء»، وتكمن رسالته القوية في الرؤية؛ فمن ليست لديه رؤية يبدأ في التخبّط، ويتبع أوّل خيط يصله إلى بر الأمان. الرؤية إذاً مهمة، ليس في المهرجان فقط، بل لدى الحكومة، ورب الأسرة، والمنزل، والفرد، وما يفرّق شخصا عن آخر هو الرؤية.

دبي تمتلك رؤية خاصة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي صاحب رؤية ثاقبة وحكيمة، ونحن ننطلق منها، وأوّل ورقة في شهادة «الأيزو» تتحدّث عن الرؤية، والأهم هو في طريقة الوصول إليها بمختلف الوسائل.

إذا كانت شهادة «الأيزو» مهمة لهذه الدرجة؛ فلماذا لم تسبقكم مهرجانات دولية عريقة كبرى في الحصول عليها؟

لأن هذه المهرجانات ليست في دبي! نريد أن نأتي بالجديد دائماً، ونحاول أن نختصر المسافات والسنوات. ما تمنحه شهادة الجودة هذه ليس السمعة لأجل المباهاة، ولكن هي توثّق للإدارة في تعاملها اليومي جيلاً بعد جيل.

محاولات تقارب وفصل

تردّد بأن هناك محاولات جرت للتقارب مع مهرجان الشرق الأوسط في أبوظبي مؤخراً، خاصة بعد تواجد الأخير بجناح خاص في مهرجان «كان»، ماذا حدث، ولماذا دولة الإمارات تحضر بجناحين منفصلين، فيما الولايات المتحدة بجناح واحد؟، لماذا هذا الفصل؟

نحن أكثر تقارباً من السنة الماضية، ولكنه لا يزال أقل من المتوقع والمطلوب، متمنين أن يزداد مع الوقت. المنافسة مطلوبة في حدودها دون الضرر باسم الإمارات، وصانعي السينما الإماراتيين والعرب. رغبتنا واحدة، وأهدافنا كذلك، وهي تصب وتتماشى مع سياسة الدولة، وصدورنا مفتوحة دائماً لمهرجان الشرق الأوسط، وأي مهرجان عربي آخر.

لا أفهم، لماذا إذن التقارب دون المتوقع والمطلوب، كيف يُمكن تفعيله بشكل جدّي وواضح حتى يتم الوصول للأهداف المرجوّة من المهرجانين بما يتماشى مع سياسة الإمارات؟

هي مسألة وقت، ومسألة شعور بالمسؤولية من إدارة المهرجانين بوضع اسم الإمارات هدفاً رئيسياً، وليس صراعاً داخلياً لمن يكون الأفضل، لنتنافس لمصلحة دولة الإمارات أولا وأخيرا.

إذا كانت دولة الإمارات قد برهنت على اتحادها، فلماذا في إطار صغير مثل المهرجان لا يوجد «اتحاد»، أو تقارب، أو مسؤولية متبادلة من قِبل إدارة المهرجانين، أهي خطوة صعبة لهذا الحد؟

لا أعتقد أن اتحاد المهرجانين سوف يُفيد الإمارات، بل العكس هو الصحيح لأنه يتيح الفرصة أمام الجميع لإضفاء التنوع والاختلاف، ولكن أتفق معك بضرورة التنسيق، وهي مسألة خاضعة للوقت كما ذكرت، ولتبادل وجهات النظر بما يعود بالفائدة على الطرفين.