كواليس

محمود أبو العباس : الحياة أكثر درامية من المسرح

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

محمود أبوالعباس ممثل ومخرج وكاتب مسرحي، وواحد من الرموز الفنية العراقية التي تمتاز بتوجهها لهموم الناس العاديين، والمهمشين منهم تحديداً. استطاع أبوالعباس أن يرسخ حضوره في المشهدين العراقي والإماراتي بدأب ومثابرة، والمتتبع لنصوصه المسرحية ابتداء من «حكاية وسلاطين»، و«عارضة».

و«شاهدة على قبر مفتوح»، يرى مسرحاً متميزاً بنصوص ذات إحساس يلامس أوجاع الناس وهمومهم، وأكثر ما يشدك إلى الرجل شفافيته وتعامله مع الأحداث المحيطة به، من منظار الرائي الضابط لمشهديتها. كتابات وإخراج تجعل من الموضوعية والتحليل سمة لها في التقييم والتقويم.في بيت العم «أبو سامي» الكائن في إحدى المناطق الشعبية بمدينة البصرة في جنوب العراق، تشكلت بوادر موهبة الطفل أبوالعباس، إذ كان الناقل الرسمي والحصري لأحداث متلفزة ومتنوعة من برامج فكاهية، وأفلام كرتون.

كان الطفل حينها في السابعة من عمره يجلس متربعاً في حضرة التلفاز، يراقب سطوة صور تتعاقب في صمت أمام تخيلاته، فيقوم بصياغتها من جديد حسب متطلبات الحاجة عند أصدقائه، فمن لم يتسن له مشاهدة هذا الصندوق المعدني المسكون بالصورة والحركة، كان الطفل يعد بصياغة سرد الأحداث أمامه.ولم يغب عن ذهن الطفل وترتيبه الرابع في العائلة، أنه السبب في عدم إنجاب والدته من جديد. فالآتي إلى الدنيا في عملية قيصرية يدرك جيداً تفاصيل الأشياء، وقد تكون رغبته الملحة في التمثيل، أتت كفعل تعويضي لفقدانه الأم روحاً وشكلاً.

الشغف المسكون في قرارة الطفل بالتقليد، دفعه إلى ذلك في محاولة لضبط الأشياء، وإثارتها ضمن تحركات وإيماءات مدروسة. ولا عجب أن يخط أبوالعباس أول نصٍ مسرحي له بعنوان «أم ستار»، وهي امرأة دلالة تبيع وتشتري في تلك الأحياء الشرقية الضيقة، وهو لا يزال في التاسعة من عمره.

ربما قدر للبيت ذي البناء الشرقي بعمارته الفريدة وبغرفه المتقابلة وببابيه المتباعدين أن يكون مسرحاً، ومرتعاً للطفل من خلال توثيقه بستار من حبل ابتدعه الفتى اليافع ليكون خشبة المسرح الأولى له، فراح الطفل يدعو أهل الحارة المتواضعة، والدهشة كانت الدافع لتلك العائلات لتجتمع في هذا المكان.

ومشاهدة العبث الذي يعبث في هذا البيت. إنها مدينة البصرة في تلك الفترة من الزمن المنفتحة على الحياة، فمجتمعها مؤسس بطريقة مغايرة عن المجتمعات الأخرى، فهذا المجتمع مبني في تعامله مع الأشياء بروح المراقبة الممزوجة بالسؤال، وبالطبع كانت الأسئلة ذاتها لا تغيب عن جلسات المحبة والشتاء القارس في تلك الليالي، حيث كانت العائلة تلتف العائلة الكبيرة حول موقد الفحم.

هذه الرومانسية الحادة فرضت حضورها على أهل البيت، من خلال القصص التي كان يسردها الوالد البحار المتنقل بين دفتي مركبه ما بين دجلة والفرات. الحكايات بحضورها الأخاذ أضافت حساً درامياً بكل مظاهر الحياة عند الشاب محمود أبوالعباس، فالمشكلات لا تستوقفه، أو تحد من عزيمته لأنه يتوقعها باستمرار في حياته الشخصية والعملية، وربما هذا مرده إلى ذلك التأسيس في مرحلة الطفولة حيث تدرب أبوالعباس على ثقافات متنوعة، وموارد حياتية مختلفة.

حس مراقبة الآخرين من منظار خصوبة الذاكرة، تشكل درامياً بكل أبعاده عند المخرج المتمكن، فهو مع التمثيل بقصد التنوع والفرادة.

يوثق أبوالعباس حياته بكثير من الذاكرة والتفاصيل، فاستحضار الطفل في داخله يبقى الشغل الشاغل عنده، فهو يريد أن يخلصه من طيبته، وفي نظره أن الطيبة هي اللامبالاة المستترة، وها هو اليوم يقف على خشبة ذكرياته محاولاً توجيه هذا الطفل ناصحاً إياه بالابتعاد عن الخجل، ومحاربة القناعة.

فكرة الثبات على الموقف تستهوي أبوالعباس لأنه يرى أننا أسرفنا بما عندنا لأناس لا يستحقون، وهو يرى أننا بحاجة إلى نظام اقتصادي أمام هذا الكم الهائل من الإسراف، وبنظره أن السلوك محكوم أيضا بالإسراف.

يقول أبوالعباس: «هذا الطفل الذي يقبع في داخلي ميال إلى الإبداع، ولا بدّ أن يعطيه أدواراً متنوعة، فالتنوع يخلق ثراء باستمرار، والحياة التي يريدها هذا الطفل ستكون مبدعة بالفعل».

بحركة فجائية يصفق العباس موجهاً ملاحظاته للطفل عينه أن يقف باستمرار أمام المرآة، وبنظره لا بدّ أن يدرك ملامحه جيداً، لأن التحكم بالملامح مفتاح العلاقة مع الآخر.

كما خشبة المسرح يبقى حاجز الدهشة حاضراً بقوة عنده. فالطاقة الكبرى عنده أن الحياة أصبحت أكثر درامية من المسرح، وهو يعتقد أن ما يجري الآن لا تستطيع العين أن تلم به، ولا الفكرة تستطيع إنضاجه لأنه اخترق حاجز الدهشة .

إنه سلاح ذو حدين كما يصفه أبوالعباس، حد يذهب باتجاه عدم استيعاب الفعل الهائل بالحياة المترع بالدماء والقتل اليومي، وبين الفكرة التي يجب أن نشتغل عليها لإقناع 300 مشاهد في عرض مسرحي.

بين البلادة والدهشة الكبيرة، يرى أبوالعباس أنه لا يستطيع إعطاء هؤلاء المتفرجين سوى البلادة.يختتم المسرحي محمود أبو العباس بالقول: «أمام ما نكسب من هذا العرض أو ذاك في المسرح، حولتنا هذه الظروف إلى موظفين ننتظر رواتب طارئة تضعف من الذاكرة، وتقلل من الإبداع وتدفعنا في أغلب الأوقات للمجاملة، لأنك لا تستطيع أن تشير إلى الخطأ أمام آخرين يحبون المدح، ولو حدث وأدليت برأيك بنية صادقة سيكون مصيرك التهميش».

أبوالعباس كاتباً وممثلاً مرونة الجسد ورخامة الصوت

عن تجربة محمود أبوالعباس في الكتابة والتمثيل، يقول الناقد والكاتب المسرحي العراقي الدكتور عقيل مهدي يوسف: «يأتي أبوالعباس كاتباً وممثلاً بعنوان جديد (بقعة زيت) وهو يعدها من مصدر عالمي (رجل الفنار) ولكنه يزيحها عن مرجعياتها ويربطها بمعاناة العراقي في غربته بعيداً عن الوطن.

ويمتلك أبوالعباس مواصفات الممثل المحترف في مرونة جسده وثراء مخيلته وحسه المسرحي ورخامة صوته، وتحكمه بإلقائه بين الهمس والجهر والصراخ والصمت والبكاء والضحك وفهماً غريزياً لمعنى الوطن وكيفية مخاطبة الجمهور «العام» وإثارة النخبة. ويحسن الإشارة بلطف إلى الزمرد والياقوت اللذين تذرفهما عيون المها العراقية وهي تتلفلف بعباءة الأمومة على أبناء جار عليهم الزمان ما جار عليها من غير ذنب اقترفوه.

ويضيف الدكتور يوسف في مقال كتبه عن مسرحية «بقعة زيت»: «لا يقبل أبوالعباس باختزال وطنه إلى بقعة زيت تطفو بإرادات الآخر أو تغطس وتمتص تبعا لأطماعه ونزقه ومؤامراته، فلن يكون الوطن صفقة يطولها حاطب ليل، مادام هناك أبناء يتناسلون ويعرفون أبعاد اللعبة الجهنمية التي استهدفت تاريخهم السياسي الحديث منذ عقود من السنين، وحين يستعيد الوطن حريته يتعين عليه النظر بروح مقدامة إلى مستقبله ويتخطى عقبات الماضي ليمهد الأرض أمام أجيال قادمة.

صديق الأطفال

ضمن عمله مشرفاً على تدريس مادة المسرح في مراكز الأطفال في الشارقة، يحرص محمود أبوالعباس على نسج صلات وثيقة مع الأطفال المتدربين، لاسيما أنه يجزم وفقاً لرؤيته الإخراجية أن ثمة مواهب لا بد من نبشها واكتشافها. وهو في ذلك يرصد الوجوه والتعابير وكيفية تفاعلها ليخرج منها ما كان دفيناً، تمهيداً لإطلاقها إلى الأجيال المسرحية الجديدة.

ولعل أبوالعباس في تجربته المسرحية في الإمارات، قد غاص عميقاً في تفاصيل المجتمع المحلي وقضاياه ، لذا لا يرى صعوبة في التعامل مع الأجيال المختلفة. وقد حققت الأعمال المسرحية الإماراتية التي أخرجها أبوالعباس العديد من الجوائز محلياً وخليجياً وعربياً.

مسيرة

شاركت في أول مسرحية عام 1971 بعنوان: «أوديب» من إخراج محمد أهيب يومها كنت ألعب ضمن «كومبارس»، ومن بعده أسسنا فرقة أسميناها «منتدى الغد»، لعب التمثيل الدور الأبرز في مراحلي الأولى، إلى أن تحول إلى مسؤولية، قررت دخول مجال المسرح، كان ذلك في العام 1974، وهنا بدأت مرحلة الإعداد الأكاديمي لي.

تعاونت مع معظم المخرجين العراقيين، وشاركت في مهرجانات عربية ودولية، بالإضافة إلى السينما والإذاعة والتلفزيون. كان لي ضمنها مشاركات لافتة في التمثيل الذي يمنحني متعة كبيرة وإحساساً رائعاً.

التأليف: «الرجل الفنار»، و «الدهليز»، و «احفروا بئراً»، و«ميراث القطط»، و«شاهدة على قبر مفتوح»

الإخراج: «يا ليل ما أطولك»، و«الحقار»، و«السدادة»، و«قوم عنتر»، و«عارضة».التمثيل: شارك في أعمال مسرحية عدة ومنها: «الباب»، و«يوسف الصايغ»، و«العودة».

دبي ـ سامي نيال

طباعة Email