حين يرى المشاهد عملاً تلفزيونياً أو سينمائياً يجذب انتباهه أو يثير فضوله، دائماً ما يعتريه شعور وتأكيد ملح لمعرفة اسم مخرج العمل، فالبوصلة في جميع الأحوال لا تتحرك إلا صوب المخرج، وذلك شعور حق ومشروع، لأن الأمور في خواتيمها تقاس ببصمات من ألقى بها إلى العلن، وبالشكل الذي يريد، وهو ما ينطبق بطبيعة الحال على الإخراج التلفزيوني أو السينمائي، الذي يعد الركن الأهم والأكثر حساسية ومسؤولية في ذلك الحقل، وإن ظل العمل يدور في قالب الكواليس أو من خلف الستار.
أيمن أحمد محمد علي الذي يعمل مخرجاً تلفزيونياً في قناة «انفينتي» الفضائية يضمر في داخله الكثير من الأسرار والمهام العملية التي تحكي مشواراً مفعماً بالجدية والعمل الحماسي، فهو من يأخذ على عاتقه دائماً الجهد والعمل وصولاً إلى هدف يضمره في داخله، وهو التمتع والتألق في جعل اسم دبي والإمارات صبغة عالمية، تحكيها شاشات التلفزة كما هو واقعها الطبيعي.
بداية المشوار
بدأ أيمن مشواره الإخراجي حينما كان يدرس الإخراج التلفزيوني والسينمائي في الثمانينيات في جمهورية بلغاريا. وكان أيمن المتفوق في دراسته الجامعية والعملية، الشخص العربي الوحيد الذي يجيد اللغة الإنجليزية والبلغارية والعربية معاً، ويتقن بإحساس التعامل مع الكاميرا.
وفي تلك الأثناء درس أيمن البكالوريوس والماجستير معاً، وبدأ يستعد للدكتوراه، وكان يمزج بين الدراسة والعمل، خاصة وأن ذلك البلد الأوروبي بدأ يشهد في تلك الحقبة تحديداً تحولاً من الشيوعية إلى الديمقراطية، وهو ما لفت أنظار كبار مخرجي أوروبا لتنفيذ أعمالهم السينمائية والتلفزيونية في بلغاريا، الدولة التي تقل تكلفة المنتج التلفزيوني فيه عن بقية الدول إلى عشرة أضعاف، وتلك كانت فرصة أيمن الذهبية للاحتكاك مع كبار المدارس الأوروبية الإخراجية والعمل كمساعد مخرج مع أكثر من 30 مخرجاً.
تجربة بلغاريا
تجربة بلغاريا بحسب ما يقول المخرج المتميز في قناة إنفنيتي الفضائية، أضافت له مسؤولية كبيرة في العمل الإخراجي الذي بات يسكن أجزاءه في أدق التفاصيل، وهو ما جعل منه مخرجاً يتألق في كافة الأعمال التي هو بصددها، حتى ارتضى لنفسه ترك ذلك المكان بعد أن قدم لأهله الكثير من الإبداع والعمل المشهود له من قبل الجميع، لكنه أخذ في المقابل خبرة وتجربة وأفكارا متشعبة تخدم مشواره الإخراجي حتى آخر عمر العطاء في السينما والتلفزيون.
الإمارات كانت الدولة العربية الأولى التي احتضنت أيمن بعد عودته من أوروبا منذ 9 سنوات، وتلفزيون دبي كان محطته الأولى، فعمل مساعداً للإخراج وأمضى فيه أربعة أعوام كانت مكللة بالنجاح والخبرة التي اكتسبها من نخبة العاملين العرب في الإنتاج التلفزيوني، وقد حظي أثناء عمله في تلفزيون دبي بإخراج برنامجه الأول واسمه «هذه دبي».
هذه دبي
وكما يقول أيمن فقد تعامل مع هذا البرنامج بالذات بإخراج ممزوج بطعم الفرحة، وقد نقل الوجه الحضاري الحقيقي لدبي، فكانت الغيرة الشديدة تحركه في العمل بصورة كبيرة، والسبب كما يقول هو إعجابه الكبير بما وصلت إليه دبي والإمارات عامة من تقدم وازدهار في مختلف الميادين، وهو ما لم يجده في أوروبا.
فأراد أيمن وبصورة غير مباشرة أن يرد على الأجانب بلا استثناء، وأن يمحو من مخيلتهم النظرة السلبية التي تحكم طباعهم وتصرفاتهم عن العرب، فدبي كانت ولا تزال حالة فريدة وعظيمة تدحض بما وصلت إليه كل الافتراءات والصور النمطية التي يحتفظ بها الغرب عنا، وبالتالي كانت سلاحي الأقوى في الدفاع عن حقوق العرب المعنوية المهضومة في عالم لا ينظر إلى الواقع بعين العدل.
وفي آلية العمل التي يتبعها أيمن، يستند دائماً على كونه درس في بلغاريا 38 مادة إخراجية مختلفة، أبرز ما فيها المعاملة الإنسانية الخالصة لكافة العاملين معه، إذ أنه ومن خلال وجوده مع طاقم العمل، يضع قبل بداية مشواره صورة كاملة ونتيجة أيضاً كاملة للمنتج الذي هو بصدده، معتبراً أن مسؤوليته تفرض عليه أن يتخيل حجم المنتج وصورته النهائية.
لا يتساهل
ويؤكد أيمن أنه وفي أصغر البرامج التي يتعامل معها لا يمكن أن يتساهل إطلاقاً، فهو يلتزم كلياً بقوانين التلفزيون المتبعة، لكنه «لا يرحم» في عمله الإخراجي، ويظل جاهداً نحو إخراج كل ما لديه خدمة للشكل النهائي للعمل، ولا يأبه إن كانت لقطة ما يظهرها لا تروق لغيره، طالما هو يرى أنها تخدم المنتج الذي يتعامل معه.
ويوضح أن المخرج هو الإنسان الوحيد الذي يتحمل المسؤولية كاملة عن أي عمل يظهر على الشاشة، فهو يحتاج دراية كاملة بالمجتمع المحيط به، وخبرته العملية لا بد أن تترك لديه الشيء الكبير عن البلد الذي يعمل فيه، فمن غير المعقول أن يسمى مخرج أي شخص أجاد التعامل مع الكاميرا، لأن الإخراج ثقافة عامة، تتطلب إبداعاً في مختلف المواقع، فإن لم يكن المخرج على دراية بمختلف التطورات الحاصلة حوله يوماً بيوم لن يتمكن من الإبداع في موقعه.
مع نقيضين
ويشير أيمن إلى أنه يأخذ في الحسبان دائماً أنه يصنع المنتج لجمهور يتفاوت في واقعه، فيجسد فيه الحد الأدنى والحد الأقصى، ويتحدث في الصورة مع الطفل المتابع، والمسؤول أو الوزير الذي سيرى العمل أيضاً، فهو يتعامل في مشهده مع نقيضين، ويراعي في ذلك مستويات التفكير كافة.
ويبدو أيمن على قناعة تامة بالمسؤولية الملقاة على عاتقه أثناء عمله في قناة «انفينيتي» الفضائية في تعامله مع البرامج، فهو ملتزم بتقديم الوجه الحضاري لهذا البلد دائماً، وفي العمل التلفزيوني لا مجال للوقوف عند الأخطاء المتوقعة، إن وجدت، إذ من الممكن أن تصادف المخرج مواقف خاطئة من المذيع أحياناً أو لأسباب تقنية، ويتم التغلب عليها على الفور، فإن كان هنالك خطأ ما، إما أن نهرب إلى موضوع آخر، أو نجعل منه خطأً عفوياً، كما يقول أيمن.
وأثناء العمل كل شيء يتم بشكل جدي، ومن الصعب أن تظل المواقف الطريفة طريفة في عمل المخرج، لأنه سرعان ما يقفز على الموقف فيجعل منه خطوة تستكمل سريعاً لملء الفراغ، وبالتالي يظل الإخراج الأداة الأكثر قوة وحضوراً في أي عمل، وهو الذي يحمل المنتج التلفزيوني، إما إلى سلم النجاح والشهرة، أو إلى الركود والانطواء، وكلا الأمرين موجود في عالمنا العربي، وهو ما يفرض وجود الكثير من العمل الرقابي، لتجنيب السينما والتلفزيون العربي مزيداً من التأخير والانطواء.
تطور مهني في بلغاريا متوج بالجوائز
في بلغاريا عمل أيمن كمساعد مخرج مع أكثر من 30 مخرجاً أوروبياً مشهوراً، وقد امتاز بمقدرته على التحدث باللغة الإنجليزية، وولعه المطلق بالمهنة، وبتفوقه الدراسي، فظل مطمعاً للمخرجين القادمين من مختلف دول أوروبا لإنتاج أفلام أرخص على أرض بلغاريا، فصار مساعد مخرج مشهور، ومستشاراً للأفلام السينمائية، وفي تلك الأثناء حاز أيمن على جائزة أفضل مخرج في العالم في مهرجان الأفلام للخريجين في العالم، حيث نال الجائزة عن فيلمه «اللعبة»، مناصفة مع المخرج الهولندي مايك فان دين عن فيلمه «ألاسكا».
غير ذلك فقد فاز فيلمه «اللعبة» بجائزة مهرجان النقاد العالمي في ميونيخ، وحاز على لقب أفضل 10 مخرجين في العالم. يقول أيمن: «في الوطن العربي، لا توجد مؤسسات تعنى بتصنيف الأعمال التلفزيونية، حيث لا نقابات ولا مختصين يقيمون العاملين في الإعلام عامة، وبالتالي سيبقى العالم العربي في التصنيف الأخير ضمن الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، لكونه لا أحد يقوى على الإتيان بكلمة حق تجاه السينما الناجحة أو الفاشلة، وهو ما يحرم المتألق منها ـ وهو قليل جداً ـ من مواصلة مشواره، هكذا يقول أيمن.
موقع التصوير
مواقف عصيبة أثناء العمل وطريفة بعد الختام
مواقف مؤثرة كثيرة جداً عايشها المخرج أيمن أحمد، لكنه يعتبر أن جدية العمل والمثابرة تفرض عليه نسيانها لإكمال المشوار، حيث يعايش الملاصقون للعمل التلفزيوني والسينمائي العديد من المواقف المحرجة أو العصيبة أثناء عملهم على أرض الواقع، ولكنها سرعان ما تتحول إلى لقطات طريفة لا يلبث البعض يتذكرها من قبيل المداعبة.
أما التي رسخت في مخيلته، فهي كثيرة أيضاً، ومنها أنه وفي أول حفلة من حفلات رأس السنة للعام 2004 في دبي والتي ضمت راشد الماجد وديانا حداد وعيضة المنهالي، تعطلت أجهزة البث و3 كاميرات، وكان العمل على الهواء مباشرة، فاضطر إلى تسخير كافة الإمكانيات المتاحة لاستكمال البث دونما يشعر المشاهد بأية مظاهر للقصور.
وفي بلغاريا بينما كان أيمن على علاقة مع كبار المخرجين الأوروبيين، تلقى اتصالاً من مخرج مسلسل «الأخطبوط» الإيطالي في جزئه الثالث، للحضور لموقع التصوير فوراً، وعندما حضر فوجئ بأن المخرج يطلب منه تأدية دور أحد الممثلين، الذي كان مخموراً في تلك الأثناء، وذلك لكونه يشبهه كثيراً، فأدى الدور بإتقان، ومر على المشاهدين من دون أن يشعر أحد أنه شخص آخر.
وأثناء عمل أيمن في بلغاريا، وبعد التغيير السياسي الذي حصل هناك، بدأ مع مجموعة من عمالقة التلفزيون هناك بإنتاج برنامج أسمه «أكشن»، الذي يظهر صورة وزارة الداخلية وتعاملاتها عن قرب، فتم تصوير حلقة حقيقية عن مجموعة لصوص «مافيا» بلغارية يسرقون مصرفاً، وبعد إذاعتها بيوم خرج اللصوص من السجن، وراحوا يبحثون عن أيمن وزملائه للقصاص منهم، فاضطر أيمن لملازمة بيته عدة أيام قبل أن يسوى الأمر.
سيرة ذاتية
أيمن أحمد مخرج تلفزيوني وسينمائي فلسطيني الجنسية، تعلق بصنعته منذ الصغر، ثم درسها علماً على يد الغربيين، فأبدع في صناعة الأفلام الأوروبية، وعاد إلى الإمارات ممسكاً بالإبداع سلاحاً لنقل وجهها الحضاري إلى العالم كافة.
عمره 46 عاماً، تزوج مهنته ـ كما قال، درس البكالوريوس والماجستير للإخراج السينمائي في بلغاريا، بدأ في دراسة الدكتوراه في الإنتاج السينمائي ولم يكمل مشواره، كما وبدأ عمله الإعلامي منذ كان عمره 18 عاماً، حيث عمل مصوراً مع خاله الصحافي صالح عباس، الذي كان يعمل من الكويت مراسلاً لوكالة «أسوشيتد برس».
منذ الصغر وجد أيمن نفسه في ظلال أياد إعلامية تهوى المجازفة، وراح يتألق في فناء الصورة في بداية شبابه، ليجد نفسه محاطاً بشبك الإعلام من كل زاوية، وفي العام 1999 انتقل إلى الإمارات قادماً من دول أوروبا الشرقية، بعد أن أمضى 17 سنة دراسة وعمل في بلغاريا، وقد ظل في دراسته متفوقاً ولامعاً، آخذاً على عاتقه القيام بمختلف الأدوار الصعبة مع كبار مخرجي أوروبا وهو على مقاعد الدراسة.
دبي ـ عنان كتانة

