من المسابقة الرسمية إلى مسابقة «نظرة ما» تتعدّد ألوان السينما المقدمة في اختيارات هذا العام. في المسابقة الرسمية، تنحو الاختيارات إلى أفلام لها وقع سياسي أو اجتماعي مؤدلج. في «نظرة ما»، هي أكثر التصاقاً بالقصص الإنسانية، وربما يجمعها خيط الشكل السينمائي الذي تقّدم من خلاله الحكاية، وهو السرد المستطرد، واللقطات المطوّلة بحجمها البعيد، وهو النوع المحبّب دائماً في هذه المسابقة.
في المسابقة الرسمية، يبرز الفيلم (الإسرائيلي) «والتز مع بشير» للمخرج آري فولمان الذي يبتكر هنا أسلوباً جديداً ومغايراً في الطرح والشكل، هو فيلم تسجيلي بأسلوب التحريك، ونادراً ما وُثقت السينما بالرسم التحريكي. هو خيار ذكي أراده المخرج أن يكون واقعياً نظراً لندرة الوثائق التي تحكي عن مجزرة صبرا وشاتيلا، وأيضاً نظراً لفقدان المخرج لذاكرته عن تلك الحقبة من الزمن، والتي شارك فيها مجنداً.
كابوس من المطاردات: في حانة في إحدى الليالي، يحكي صديق قديم للمخرج فولمان عن كابوس يلاحقه باستمرار عبارة عن مطاردته من قِبل 26 كلباً مسعوراً، وفي كل ليلة يتكرّر رقم الكلاب نفسه. يستنتج الاثنان بأن هناك صلة ما بمهمة جيشهم الإسرائيلي في الحرب الأولى على لبنان في بداية التسعينات. يستغرب فولمان من عدم قدرته على تذكر أية تفاصيل من تلك الحقبة، يفتتن بهذا اللغز، ويقرّر مقابلة الأصدقاء والرفاق القدامى حول العالم، محاولاً اكتشاف الحقيقة حول تلك الفترة، وأيضاً حقيقته هو.
ولكن كلما تعمّق فولمان أكثر فأكثر في هذا اللغز، تبدأ ذاكرته بالزحف إلى صور سوريالية غريبة. لا ينحاز الفيلم إلى إسرائيلية المخرج، ولكنه يحاول فهم ما حدث في تلك الليلة من المجزرة، مشيراً إلى دور بعيد لشارون في ارتكابها، ما لا يطرحه هو علاقة مرتكبي المجزرة المؤيدين لبشير الجميل بإسرائيل.
«ثلاثة قردة»
في المسابقة الرسمية أيضاً، يحضر التركي نوري بليج سيلان بفيلم جميل آخر يُضاف إلى رصيده الحافل بالأفلام المهمة، بدءاً من «قصب» في 1995، ثم «أوزاك» في 2003، و«مناخات» في 2006. هذه المرة بفيلم «ثلاثة قردة» الداكن في القصة، ولكن الشعري في جماليات الصورة ولحظات الصمت والخطف الآسر للحظة.
«سيرفيت» (إركان كيسال) سياسي في الخمسينات، يصطدم برجل عابر في الشارع ويُرديه قتيلاً، وفي اليوم التالي يطلب من سائقه الهاديء «أيوب» (يافوز بينغول) أن يعترف بالجريمة، وأن يقضي عقوبة السجن بدلاً عنه، واعداً إياه بمبالغ مادية، وبصرف راتبه إلى زوجته «هاجر» (هاتيس أصلان) وابنه «إسماعيل» (أحمد رفعت سونغار).
يفعلها «أيوب»، ويُحكم بالسجن لتسعة أشهر، لا يكتفي السياسي «سيرفيت» بما فعل، بل يستدرج الزوجة إلى علاقة جنسية محرمة، يكتشف الابن بعد ذلك سرّها، ويعيش حالة من التوهان والذنب والغضب الوحشي، لا يعرف ماذا يفعل أو يتكلم. يخرج «أيوب» من السجن، ويستشعر بسرعة هذه العلاقة المحرمة، ونكتشف نحن أن «هاجر» لم تُستدرج إلى هذه العلاقة عنوة، أو استغلالاً، بل هي واقعة فعلياً في الحب مع «سيرفيت».
هنا تختار العائلة إهمال الحقائق بتجاهلها، وعدم رؤيتها أو سماعها، أو التحدث عنها متبنية لعبة الثلاثة قردة: «لا أرى، لا أسمع، لا أتكلّم»، ولكن هل هذه اللعبة تُبطل من حقيقة وجودها؟ لا؛ ففي كل حركة تقرأ فيها الشخصيات، وتتعمق فيما ينوون فعله، تشعر بضعفهم، وبالألم الكبير الذي ينخرهم، ويشطرهم إلى شظايا خامدة، ويُحيلهم إلى ضحايا على يد السلطة.
شخصيات أبيض وأسود
في مسابقة «نظرة ما» جاء «سوي كاوبوي» للمخرج توماس كلاي ليسرد حكاية صامتة لرجل أوروبي بدين، يعيش في تايلاند، وفتاة تايلاندية حامل. هذه العلاقة الملتبسة تخضع لمقاييس المصلحة المتبادلة، هو يمنحها هدايا كثيرة، لتبقى معه، وهي تبحث عن الأمان، وهو ملاذها الوحيد عن الانجراف إلى المنطقة الحمراء «سوي كاوبوي» حيث تعارفا.
الفيلم مصوّر بالأبيض والأسود، وإيقاعه بطيء جداً، وكل لقطة فيه تستغرق دقائق، لا يبوح بالشيء الكثير غير أنه يصوّر الحياة كما هي، يسجّلها بتفاصيلها دون مونتاج أو ماكياج، ينحو إلى السينما التعبيرية والتأملية، ويشحن أحياناً بلقطات تكون فيها زوايا الكاميرا ناقصة، ولكنها تكتمل بعد حين وتُعبّأ بالأشخاص والأشياء.
في الجزء الآخر من الفيلم، والمصوّر بالألوان، تختفي الشخصيات في الحكاية السابقة ليحل محلها حكاية أخرى تكشف عن الجانب الداكن في المجتمع التايلاندي نفسه عندما ينتقم أخ من أخيه لصالح شبكة مافيا من الأثرياء التي تتلاعب في حياة البشر، سواء بالمتاجرة بالنساء، أو بالقتل. بين الأبيض والأسود، وبين الألوان، الكاوبوي الأجنبي، والكاوبوي المحلي، تبدو تايلاند أكثر قسوة من اللون الطبيعي للحياة.
كان ـ مسعود أمرالله آل علي


