عمالقة فن الكوميديا لا يختارون الكوميديا عن سبق إصرار وترصد، بل الكوميديا هي التي تختار نجومها، وقديما أراد نجيب الريحاني أن يكون تراجيديا، فكان للناس رأي آخر وأجبروه على أن يغير مساره، تماما مثل إسماعيل ياسين الذي جاء من مدينة السويس إلى القاهرة ليغني في الأفراح قصائد عبد الوهاب الحزينة «أيها الراقدون تحت الثرى» فرماه المعازيم بالطماطم والبيض، فقدم لهم «مونولوجات» ومن بعدها بدأ مشواره مع الكوميديا.
ومالا يعرفه كثيرون أن عادل إمام سار في نفس الاتجاه، طلب في بداية الستينات من المخرج حسين كمال أن يمثل احد الأدوار الجادة في مسرحية «ثورة القرية»، ولكن المخرج الكبير قال له أنت كوميديان، وأعطاه دورا هامشيا رجل في السوق يبيع العسلية، وفي كل يوم يصعد فيه عادل إمام إلى خشبة المسرح ليردد جملة «معايا عسلية بمليم الوقية» تنفجر ضحكات الجمهور الذين مع مرور السنوات وضعوه في قلوبهم ليستقر زعيما للكوميديا وسفيرا فوق العادة لإدخال البهجة والسرور في نفوس الناس.
شريط قطار عادل إمام السينمائي يبلغ حوالي 117 محطة سينمائية، ومن خلال أكثر من 40 عاما متواصلة علي خشبة المسرح بداية من «بلد شهادات صحيح» في دور وكيل المحامي في مسرحية أنا وهو وهي، ومرورا بـ «زعيم أونطه في مدرسة المشاغبين».
وتوقفا عند الأفيه الشهير «لوكل واحد عزل من بيته عشان ساكنه تحت منه رقاصة البلد كلها هتبات في الشارع» في مسرحية شاهد ما شافش حاجة، ووصولا إلى «الواد سيد الشغال» و«الزعيم»، ثم أخيرا مسرحية «البودي جارد» التي دخلت عامها العاشر بنجاح منقطع النظير، ملك عادل إمام قلوب المشاهدين بالضحكة والدمعة وأخذ الكوميديا إلى الدراما الإنسانية الفاعلة.
هو الكوميديان الذي جمع بين الضحك والبكاء، والمشاغب الذي جلس علي عرش زعامة السينما، هو رمز للفن المصري والعربي المعاصر، اسمه علي «أفيش» أي فيلم أو مسرحية يعني رصيد في شباك التذاكر، ودخول العمل إلى ذاكرة الخلود الفني، والأهم بقاؤه في وجدان المتفرجين لسنوات، فهو نجم شامل غير محسوب على المسرح فقط مثل محمد صبحي، ولا هو محسوب على السينما مثل الراحل أحمد زكي، عادل إمام خليط من النجاح في آن واحد عبر مجالات ودروب الفن المتعددة.
حقق نجاحات كبيرة عندما قدم مسلسلات تلفزيونية في عملين شهيرين هما «أحلام الفتى الطائر» الذي قدمه في نهاية السبعينات و«دموع في عيون وقحة» الذي عرض في منتصف الثمانينات، وتوقف منذ ذلك الوقت بحثا عن عمل يلقى استحسانا ويدخل قلوب المشاهدين.
من الصعب الوصول إلى القمة، لكن الأصعب هو الاحتفاظ بمكان لك عليها لوقت طويل، عبارة لابد أن تتذكرها عندما تتابع مجمل أعمال عادل إمام التي بدأت بمشهد لا يتعدى الدقائق الخمس، وانتهت بحصوله على لقب زعيم الكوميديا في العالم العربي.
ومنذ منتصف التسعينات وعندما غزت أفلام محمد هنيدي ومن بعده محمد سعد شاشة السينما، توقع بعض النقاد انتهاء ظاهرة عادل إمام وخصوصا عندما حققت هذه الأعمال إيرادات تخطت الملايين وهو أمر لم تعتده السينما المصرية وقتها، إلا أن الزعيم أكد حينها أن لكل زمن أوانه ونجومه وانه لا يخشى هنيدي أو غيره لأنه مازال يمتلك إمكانيات لم يكشف عنها بعد رغم مرور سنوات عمره.
وعادل إمام لم يكن يوما عميلا للسلطة أو بوقا لها، ولكنه يحب زعماء مصر ويقدر دور كل منهم، ويرى أن الفنان يجب أن لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، كما أنه يرى أنه عضو في حزب الناس الغلابة، وأن الرقابة لم تجامله يوما، بل إنه أكثر فناني جيله اصطداما بها وقراراتها، ومع ذلك يراها ضرورية لحماية الذائقة الفنية للشعوب.
تم اختياره في بداية الألفية الثالثة ليكون سفيرا لشؤون اللاجئين في منطقة الشرق الأوسط، ولعب دورا هاما في جولاته المكوكية لمعظم الدول العربية والإسلامية، فقد زار العراق والكويت والإمارات واليمن وقطر وسورية والجزائر والأردن، وقام بالعديد من المحاولات مع الأمم المتحدة لتوفير مكان آمن للعراقيين النازحين والفارين من أتون الحرب.
يرفض أن يطلق علية لقب «الديكتاتور» أو المغرور، يعيش حياته مع جمهوره ونجاحاته بشكل طبيعي، أسرته وعمله هما همه الوحيد، يرى أن حال الأمة العربية أصبح مبكيا وحضارتها تقاس بمشاريعها الإنسانية.
عادل إمام نجم لم تغب عنه شمس النجومية، بل هو مكتشف النجوم والكتاب والمخرجين، فأي وجه كان يطل من نافذته الفنية يركب قطار الشهرة سريعا، إنه بالفعل جوكر السينما والمسرح المصري والعربي بلا منازع.
«البودي جارد» دخلت عامها العاشر
مسرحية «البودي جارد» دخلت عامها العاشر وعادل إمام لا يفكر في مسرحية جديدة حتى يشعر بأن الإقبال على المسرحية آخذ في التنازل.
تدور أحداث المسرحية في إطار كوميدي ساخر، حول مسجون يلتقي خلال فترة عقوبة في السجن برجل أعمال يعرض عليه حراسة زوجته ليكتشف فيما بعد أنه يستغله كواجهة لعملياته المشبوهة.
يشارك عادل إمام في المسرحية النجمة شيرين سيف النصر، والفنان عزت أبو عوف، وسعيد عبد الغني، والمسرحية من تأليف يوسف معاطي وسمير خفاجي، وإخراج رامي إمام.
