تبقى الكتابة عن فنان بقامة عبدالكريم عبدالقادر في حاجة إلى إيقاعات متنوعة وأنغام تتنقل من مقام إلى آخر، والإبحار في مسيرة «بو خالد» يحتاج إلى أكثر من ذاكرة، فحياته الفنية عبارة عن مراحل متعددة يتلاطم فيها موج الإبداع.
عاش مسافراً في أعماق الكلمة باحثاً في عذوبتها وعن جُملٍ موسيقية تمنح صوته شجناً إضافياً يلامس الروح ويوقظ الأمل فيها..
ذات مرة جمعتني والشاعر الغنائي الكويتي المفقود فايق عبدالجليل جلسة طويلة في مدينة البصرة حدثني فيها عن الصوت الجريح ومنهجه الغنائي ورسالته في الفن.. كان يقول لي: عندما أكتب أغنية «بو خالد» احتاج إلى عدة غوص، أبحث عن كلمة تعادل لؤلؤة نادرة، وأبحث عن بيت شعر صدره يقاوم الألم وعجزه يبعث الأمل من جديد، يوقظ في الناس الإحساس ويعمّق فيهم وبينهم الحب..
ويضيف عبدالجليل طيب الله ذكره قائلاً: «الكتابة له مثل امتحان عسير يحتاج إلى المزيد من البحث والمذاكرة كان كل جديد لـ «عبدالكريم عبد القادر» يحظى بمتابعة كبيرة في دولة الكويت والخليج والجزيرة العربية، فقد كان جديده يصنع الفرح في نفوس مستمعيه على الرغم من الشجن الواضح في صوته.من هو عبدالكريم عبدالقادر؟
هو من مواليد الكويت عام 1945 عمل في وزارة الداخلية، في إدارة الجوازات، ثم نقل خدماته إلى وزارة الإعلام قسم الموسيقى حتى بلغ التقاعد، تزوج عام 1968 وله من الأبناء خلود وإيمان وخالد ومحمد وفيصل.. بدأ تجربته الغنائية كأي هاوٍ، لكنه كان كثير الاستماع إلى أغاني كبار الفنانين حينذاك أمثال الموسيقار محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وليلى مراد وعبدالحليم حافظ وعوض دوخي وعبداللطيف الكويتي ومحمود الكويتي وغيرهم، شكلّت هذه الأصوات الصف الدراسي الأول له، ومنها تعلم الكثير.
يروي الصحافي الكويتي القدير صالح الغريب في توثيقه لمسيرة «بو خالد» انه كان يجمع مصروفه المدرسي واليومي ويشتري الأسطوانات المتوافرة آنذاك، وكانت تلك الخطوة قد بنت جسراً متيناً بين عبدالكريم وبين الغناء، وراح وقتذاك يرّدد الأغاني عند لقاء الأصدقاء من دون ان يقصد، وكانت الأغنية تخرج من حنجرته فتحظى بقبول من يستمع إليه.
كان الوسط الذي يحيط به يُلحّ عليه من أجل تقديم نفسه إلى الساحة الغنائية بعد أن شعروا بتأثيره وعذوبة صوته وتميزه، وكان أكثر من شجعه حينذاك الملحن يوسف المهنا الذي قدمه من خلال أغنية دينية بعنوان «شوقي سعى إلى المدينة» عام 1966، وقد حظيت بنجاح كبير وتوقّع له النقاد والمتابعون مستقبلاً مشرقاً في عالم الغناء.
هذا النجاح الناتج عن الصوت العذب والحس الفني المرهف دفع أكثر من ملحن إلى احتضانه، فأعدوا له الأغنيات العاطفية والوطنية، منها في عام 1967 أغنية (تكون ظالم) من كلمات محمد محروس والحان عبدالرحمن البعيجان وأغنية «سرى الليل يا قمرنا» من كلمات الدكتور عبدالله العتيبي، وألحان أحمد باقر، وهذه الأغنية حققت نجاحاً كبيراً وشهرة واسعة في ذلك الحين، والجيل الذي عاصرها لايزال يتذكرها جيداً ويحفظ مفرداتها.
مساندة كبيرة من أساتذة كبار
حصل الفنان عبدالكريم عبدالقادر في بداياته الغنائية على مساندة كبيرة من أساتذة كبار منهم الثنائي المتميز أحمد باقر وعبدالرحمن البعيجان، وتعلم منهما أساسيات الغناء، حيث كانا مدرسته النموذجية في الفن، وكان داعمين أساسيين لخطواته الأولى في مسيرته الغنائية، وغنى حينذاك «بوخالد» أغنيته الناجحة «بوعيون فتانه» التي كتبها الشاعر يوسف ناصر ولحنها أحمد باقر.
ليل السهارى
نسج الثنائي الشاعر خليفة العبدالله الخليفة والملحن عبدالرحمن البعيجان رائعة جديدة وقتذاك بعنوان «ليل السهارى» التي وضعت الفنان عبدالكريم عبدالقادر على سلّم الشهرة بعد أن ذاع صيتها. وأكد من خلالها قدرته على الأداء المتقن وتوظيف خامته الصوتية بالطريقة التي تحاكي الروح وتحفّز العقل وتشعل العواطف.
تضحك عيونك والفؤاد يبكي
شكل «بوخالد» مع الشاعر يوسف ناصر والملحن البعيجان ثلاثياً ناجحاً بعد التعاون المتواصل بينهم، وأثرى هذا التعاون الحركة الغنائية الكويتية بالكثير من الأغاني المتميزة التي لاتزال مطلوبة من المستمعين، وولد من الرحم الإبداعي لهذا الثلاثي «ليالي الأمان» وفي بداية السبعينات جاءت «اللي يعزّنا» والأغنية الشهيرة «ما نسيناه»، وأغنية «جاني يشتكي» التي يقول في مطلعها:
«جاني يشتكي وأنا الليل من هواه أشكي، حبس كلامي حبيبي وما عرفت أحجي، أمْني سر المحبة وخبْرني بالليل يحبْه وما يدري تضحك عيوني والفؤاد يبكي».
مرحلة بورسلي وعبدالرب إدريس
في فترة السبعينات أيضاً واصل عبدالكريم عبدالقادر مشواره الفني الناجح من خلال بحثه الدائم عن العناصر المبدعة، فشكل ثلاثياً جديداً مع الشاعر بدر بورسلي والملحن الدكتور عبدالرب إدريس، فجاء الإنتاج ثريا في المعنى وفي الصياغة الموسيقية.
مراكب الأمراء والشعراء
تعاون عبدالكريم عبدالقادر مع العديد من الشعراء والملحنين منهم الأمير بدر بن عبدالمحسن الذي كتب له «آه يالجرح» و«كل عام وأنت جرحي» و«ضحاي أنت» و«يطري عليه الوله».
مسيرة يصعب حصرها في موضوع واحد.. مَنْ ينسى «ردي الزيارة» و«منزلك عيني» للشاعر الراحل خليفة العبدالله، و«مجاريح» للراحل عبدالأمير عيسى.. شعراء كثر وملحنون لا يمكن أن يسقطوا سهواً منهم الملحن الراحل مرزوق المرزوق والأمير خالد الفيصل والشاعر مبارك الحديبي والملحن خالد الزايد والملحن غنام الديكان والشاعر خالد البذال والفنان الكبير سليمان الملا وإبراهيم الصولة وأنور عبدالله ومشعل العروج وطارق العوضي وساهر.. وغيرهم.
في بداية تسعينات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1993، قدّم عبدالكريم عبدالقادر ألبوماً حمل عنوان «شفتك» والنقلة في هذا الألبوم أنه جاء ببصمة جديدة، حيث تعاون مع الشاعر الأمير خالد الفيصل في أغنية «نامت عيوني» وألحان الراحل طلال مداح، وأغنية «جرح الضمير» للشاعر الأمير فهد بن خالد، و«أقول في نفسي» للأمير سعود بندر و«شفتك» لمبارك الحديبي وألبوم «آن الأوان» للشاعر الكبير فايق عبدالجليل و«من قال أنا مابيك» لعبداللطيف البناي، وفي عام 1997 قدّم ألبوم «الحنين» شارك فيه الأمير فيصل بن سلطان شاعراً وخالد عبدالكريم ملحناً.
فنان قدير يوم بكى بو خالد
أكد الفنان القدير عبدالكريم عبدالقادر التزامه بفنه ورسالته منذ ستينيات القرن الماضي، فقدّم أغنيات وطنية، ومن أبرز تلك الأغنيات «نعم نحبك» عام 1975، وسجل «أم الثلاث أسوار» و«جاء الدور للمدفع»، و«تسلم لنا الكويت» و«عمار يا كويت» و«إلى كل العالم» والأغنية المشهورة التي بكى فيها بعد تحرير الكويت من الاحتلال العراقي و«وطن النهار» التي كتبها بدر بورسلي ولحنها سليمان الملا فأبكى من سمعها:
«وطني وطن النهار
أنت النهار يا وطني
أنت الأمل لي هل
وأنت النهالي طل
آه يا وطن
ياللي انولد من جديد»
يتذكر الخليجون صوته يوم صدح عام 1984 في أوبريت «أنا الخليجي» الذي شارك فيه بالاشتراك مع المطرب عبدالمحسن المهنا ونوال، وكان من كلمات الشاعر عبداللطيف البناي:
أنا الخليجي سته شالوا راسي
أنا الخليجي والعروبة أمتي
أنا الخليجي وربي سهّل خطوتي
مسيرة عبدالكريم عبدالقادر تتجدد وهو دائم العطاء، وقد حاول دائماً أن يستوعب التجديد دون أن يخل بالقيم الأخلاقية وبرسالته، فهو لم يقترب من الكلام المباشر الذي يخدش الحياء، ولم يعتمد على الكلام الذي يموت سريعاً، بل سعى منذ بدايته إلى إطلاق أغنيات تعيش طويلاً تحث على المحبة والتواصل والوفاء.
إتصالات
خالد يطمئن محبي والده
منذ أن دخل الفنان عبدالكريم عبدالقادر العناية المركزة بسبب ضيق التنفس، تلقت «5الحواس» اتصالات عديدة من محبي هذا الفنان الكبير تطمئن على سلامته وتسأل عن آخر أخباره، من هنا فتحنا خطاً مع أسرته وأصدقاء عمره للاطمئنان عليه خاصة بعد شائعة وفاته، وعن آخر أخباره قال لنا ولده الفنان خالد: إن والدي يتحسن تدريجياً، وأدعو الباري عز وجل أن يمنّ عليه بالصحة والعافية، وفي الوقت الذي نشكر فيه كل من اتصل بنا ويسأل عن صحة الوالد، أتمنى من كل محبيه أن يدعوا ربهم ليكتب له السلامة ويعود إلى أسرته وأحبته.
وعن فنه قال خالد: والدي مدرسة في الفن الملتزم، وهو رمز سعى إلى تقديم رسالته الإنسانية عبر الغناء، وقد وقف معي وشجعني كثيراً في مسيرتي، ووالدي حنون ووفي ودقيق في مواعيده ومنتظم في كل شيء، وقد قدمت معه «دويتو» بعنوان «أيام العمر».
دبي - الحواس الخمس
