في تفاصيل وجهه القديمة، تُقرأ جملة من ملامح وعبارات المتعة والوفاء، يغالب أنفاسه في عشق ترجمته سنون أمضاها وحيداً مع آلته البسيطة، التي سرعان ما تتفوق على بساطتها، فتشدو طرباً بمجرد أن يسقيها من أنفاسه، نافخاً الحياة في أوصالها، لتظل تغرد عازفة حاضنة وحدته، تاركة إياه لا يقبل بغيرها مؤنساً أو رفيقاً يجيب عن كافة تساؤلاته الحائرة في ذاته.

وتلك الآلة لا تستورد مغلفة من الخارج، بل تنمقها أنامل أصحابها، كما تشتهيها، كما هو حال المواطن ناصر عبد الله عتيق ابن الشارقة الذي تعدى في عمره الـ 75 عاماً، أمضى ثلثاها مع آلته المتواضعة (الزمر) التي لا تغادر «مخباه» يوماً، فيفرح بها، ويطرب على أنغامها ويستأنس بوفائها أينما حل، والجميع يعرفه كما يعرف آلته الصغيرة المؤنسة والمعبرة عن أمتع اللحظات، والتي يحتفل بها كل يوم بما هو أشبه بمسمى «اليوبيل الذهبي». «الزمر» في منطقة الخليج العربي أو «اليرغول» في منطقة بلاد الشام، هي واحدة من أربع آلات موسيقية متعارف عليها في عالمنا العربي، وتسمى آلات النفخ، وهي: الهبان والقصبة والمزمار والزمر، وجميعها تصنع يدوياً، وتخرج أصواتاً وأنغاماً موسيقية عذبة، تلامس آذان من تصل إليه، وتغرقه في متعة لا تغادره سريعاً.

وراثة ومتعة... المواطن ناصر عتيق، بدأ منذ خمسين عاماً بالعزف على آلة الزمر، وقد تعلم هذه الهواية من عجوز التقى به صدفة، فنقل عنه هواية العزف، وظل يمارسها لسببين، الأول وراثة عن ذلك العجوز، والثاني لعيش المتعة التي ينشدها في كل الأماكن وفي أغلب الظروف التي يعايشها، فهي وعلى الرغم من بساطتها، إلا أنها تبقى آلة تجيد صناعة الفرحة وإدخالها عبر الآذان إلى القلوب مباشرة، وتعبر في المقابل عن حالة الحزن التي من الممكن أن يقع بها أي إنسان، ففي صوتها يتلمس المتلقي أو العازف حزناً شجياً.

الشيبة عتيق يأخذ على عاتقه العزف في مختلف المواقع، وأكثر ما يمارس هوايته ومهنته المتواضعة تلك في أوقات الفرح والأعراس، وفي رفقة الأصدقاء والأقارب، إضافة إلى كونه شارك في مهرجان دبي للتسوق في المرات الماضية، فأدى معزوفات رائعة، أذهلت الحضور وأمتعت الكثيرين من مختلف الجنسيات.

وناسة الزوجة

يملك ناصر عتيق سبعاً من آلات الزمر، ولكنه يفضل واحداً منها، ظل معه منذ 38 عاماً، حينما رآه مع أحد أصدقائه العازفين قبل عشرات السنوات، لكونه أعجب به، وأراده لنفسه، فظل معه حتى اللحظة، حيث يؤكد أنه لا يمكن أن يخرج من بيته إلى أي مكان إلا برفقة الزمر الذي يبقيه في «مخباه» على الدوام، فهو أفضل ونيس وأصدق صديق، ويعطي دون ملل أو كلل، ولا يمكن أن يتلف إلا في حالة البلل، عندها يبهت صوته القوي ويضحي على غير ما اشتهاه صاحبه. غير ذلك، وبحسب ما يعتبر عتيق، فإن الزمر بالنسبة له أداة لا يقبل بإعارتها لأي كان، فهي ملك خاص وتعني له الكثير، وأكثر من ذلك شبهها بالزوجة التي لا تكون إلا لرجل واحد، فإلى أي مكان يقصده داخل الدولة أو خارجها، ترافقه آلته الصغيرة. وقال عازف الزمر أو «الجفتي» كما يطلق عليه البعض:» إن غالبية محبي هذه الآلة، الذين يصرون على الاستماع إلى أنغامها هم من كبار السن، أما الشباب فمعظمهم لا يدركونها ولا يعرفون لها سبيلاً، وجل همهم هذه الأيام فقط العزف على آلات موسيقية جاء بها الغرب، مثل الأورغ والكمان».

نفخ متواصل

وعن آلة الزمر بالتحديد أضاف عتيق أنه يصدر صوتاً موسيقياً لافتاً وحنوناً ومعبراً وجميلاً، تطرب له الآذان، ويعجب به كل من يسمعه، ويكون نتيجة للنفخ المتواصل، إذ يعتمد هذا النوع من العزف على النفس القوي لدى الإنسان، وهي من أقوى الآلات الطربية، ذات الأصوات العالية الجودة والنوعية، وبحكم أنها من آلات النفخ المتواصل، فإنه من الصعب على أي كان أن يعزف عليها، خلافاً لآلات نفخ موسيقية أخرى مثل «الهبان».

والهبان واحد من آلات النفخ، لكنه يعبأ بالهواء ويستمر بالعزف لفترة محدودة ومن الممكن للعازف أن يرتاح قليلاً، وهو ما لا توفره آلة «الزمر» التي تفرض على فارسها مواصلة النفخ لأطول مدة.

وعن طريق هذه الآلة تحديداً، يتألق الشيبة عتيق في عزف عدد من الأغنيات من ألفها إلى يائها، وهي في الغالب للفنان الإماراتي القدير ميحد حمد، ولكوكب الشرق أم كلثوم، خاصة أغنية «على بلد المحبوب»، وعدد من المطربين الكويتيين من الجيل السابق، حيث يؤكد عتيق أن «الزمر» كانت قبل فترة من الزمن المطلب الأول لإحياء حفلات الأعراس والمناسبات، وظل يصطحبها معه للمشاركة في مختلف المناسبات التي يتواجد فيها، أما اليوم فباتت الآلة الأقل حضوراً، والسبب عزوف الأجيال عنها، والاتجاه إلى آلات موسيقية مصدرها ثقافات أخرى.

سيجارة وعزف

الآلة المتواضعة تلك، لا تحتاج إلى سيارة لنقلها كما هو حال الآلات الموسيقية الأخرى، فوزنها لا يتعدى عشرات الغرامات، وحجمها يصلح لأن يبقى في الجيب، وهو ما يحفز عتيق دائماً على اصطحابها أينما حل، لكونها لا تلفت الانتباه داخلياً أو خارجياً، إذ تبقى ملفوفة في خرقة جميلة يضعها في جيبه.

وفي العزف، لا يستطيع عتيق مواصلة أدائه الذي يطرب على سماعه الجميع، طالما أنه لم يأخذ قسطاً من الراحة لتدخين سيجارته المفضلة، وعلى الرغم من أنه قادر على مواصلة العزف لفترات طويلة نسبياً، إلا أنه يضطر للتوقف كل عشر دقائق، ولا يمكن له أن يستمر طالما بقيت السيجارة بعيدة عن يديه وشفتيه. ويسعى عتيق إلى تعليم بعض من الشباب الصغار للعزف على آلة الزمر التي أجاد التعامل معها لعقود طويلة، خوفاً من أن يتركها تسقط كورق الشجر في الخريف، لكنه في المقابل لا يجد تجاوباً من أحد، فالجميع يبتعد عن هذا الفن المتواضع، والسبب ما أحدثته ثورة التقنيات من انترنت وآلات موسيقية شرقية وغربية مختلفة الأشكال والألوان، حتى إن ولده الشاب لا يود الاقتراب من الزمر، وذلك على الرغم من أنه يعزف على آلات موسيقية أخرى تقليدية، وهذا الواقع بمجمله يضيف عبئاً ثقيلاً على الشيبة عازف الزمر، الذي يجد نفسه يبتعد شيئاً فشيئاً عن آلته الوفية، وذلك لظروف مختلفة. بالتأكيد، فالتقدم في العمر قد يثني الشيبة ناصر عبدالله عتيق عن المواصلة في نفخ الألحان الجميلة، وهو الآن قد تجاوز السبعين من عمره، لكنه أكد أكثر من مرة أنه سيتخلى عن العزف على آلته في حال واحد، وهو إن تسنى له أداء فريضة الحج، لكونه يدرك مثلما يسمع كثيراً من أقرانه أن العزف على هذه الآلة هو درب من دروب الحرام ومنهي عنه في الإسلام، هكذا قال.

المزمار والقصبة والهبان.. آلات للنفخ

آلات النفخ متوفرة في مناطق عدة من العالم العربي، منها دول الخليج العربي، وبلاد الشام، وتشمل بالإضافة إلى الزمر: المزمار والقصبة والهبان، فالمزمار يتبع مجموعة آلات النفخ الخشبية ذات الريشة المزدوجة، وهو أسطواني الشكل، وأسلوب عزف المزمار يتطلب مهارة فائقة، حيث الريشة المزدوجة تتطلب قوة معينة في أسلوب النفخ، لذلك يجب على العازف أن يكون له القدرة على النفخ المستمر.

والقصبة هي آلة ليس لها جزء خاص للنفخ، مثل آلة الزمر مثلا أو آلة المزمار، وهي أسطوانية مفتوحة الطرفين ولها ستة ثقوب الأمام وثقب في الخلف وينتج الصوت منها من خلال النفخ المائل في إحدى فتحتيها وآلة القصبة تشبه آلة الناي المنتشرة في جميع البلاد العربية، وهنا أيضا نرى التأثير العربي في الخلايا اللحنية التي تتمتع بإصدار بعض المسافات العربية.

والهبان يمثل الأداة الرابعة في أدوات النفخ الموسيقية، وهي قربة من الجلد ولها عدة اسطوانات هوائية منها الثابت ولها قصبة لحنية يمكن عزف اللحن عليها مع استمرارية الاسطوانات الهوائية الثابتة التي تضفي على اللحن صبغة تعدد الأصوات، وله استخدامات كثيرة، ودائماً يستخدم للعزف مع فرق الشرطة والجيش والكشافة وغيرها.

الزمر في سطور

الزمر آلة موسيقية تتبع آلات النفخ، وهي عبارة عن عصاتين رفيعتين ومجوفتين من خشب شجرة القلم الملائمة لهذه الصناعة، وتحتوي كل واحدة على سبعة ثقوب، حيث تلصق العصاتان جنباً، ويتم ربطهما ببعضهما البعض بخيوط من شعر الماعز، فيما يتم تثبيتهما بشمع العسل، وبذلك يتم تصنيع آلة موسيقية فعالة ولا تخرب إلا في حالات البلل.

ويصدر الصوت من قصبتي الزمر عن طريق النفخ فيهما في وقت واحد، فلكل قصبة ريشة مفردة تقطع من ثلاثة جوانب من بداية جسم القصبة، وإما أن يكون له خمس فتحات أو ست، وهذه الآلة منتشرة في كثير من البلاد العربية، لذلك نجد الطابع الشرقي في ألحانه البسيطة، التي يظهر انتماؤه إلى الأجناس والسلالم العربية.

وقد شاع استخدام الزمر في العديد من البلدان العربية سواء كانت الخليجية أو بلاد الشام أو بعض دول أفريقيا، وارتبط اسم وواقع الزمر بحفلات الأعراس الشعبية، حيث يمكن للعازفين المتمكنين أداء ألحان طربية قوية تجمع الشباب لأداء مختلف الدبكات الشعبية التي ستكون في أبهى صورها مع الزمر.

«الناي».. أساس التخت الموسيقي واستخدمها الأتراك وقدماء المصريين

الناي، واحد من آلات النفخ الموسيقي، وهي من الآلات الأساسية في الموسيقى العربية، لكونها أداة شرقية هوائية لا يخلو منها التخت الشرقي والذي يتكون من مجموعة من آلات الموسيقية منها العود والكمان والقانون والسنطور والناي والدف والطبلة والربابة، وقد انتشر تخت الموسيقي الشرقية كفرقة موسيقية في عهد الأتراك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ كان يجلس العازفون حينها على مكان مرتفع عن الأرض. وتصنع الناي من نبات القصب البري، وهي عبارة عن قصبة جوفاء، مفتوحة الطرفين، وقد عرفت الناي منذ القدم فقد استخدم البابليون وقدماء المصريين هذه الآلة، وهي نوعان منها القصير والطويل، وتتكون من تسع عُقَل، بها ستة ثقوب على استقامة واحدة وثقب آخر من الخلف يتحكم به الإبهام.

ويصدر الناي النغمات بـ «تون» ونصف الـ «تون» وثلاثة أرباع «التون» بدقة كبيرة، لذا يستخدم العازف أكثر من آلة ناي، لتغطية ما تحتاجه المقطوعة الموسيقية من نغمات مختلفة، قد لا تكفي ناي واحدة لإصدارها.

آلة الناي ذات صوت شجي لها ستة ثقوب من الأمام كل ثلاثة ثقوب مبتعدة قليلاً عن الثلاثة الأخرى، ويوجد ثقب من الوراء في منتصف الناي وهذه الثقوب مفتوحة بموجب نسب حسابية مقررة ،حسب نسب السلم الموسيقي العربي، ومن فصيلة الناي آلة الشبابة، وهي قصبة جوفاء في جوانبها ثقوب ينفخ فيها، وبعض ثقوبها مفتوحة والأخرى مسدودة كما تشبه هذه الآلة «الزلامي» وهو المزمار المصنوع من قطعتين منفردتين على شكل قصبة جوفاء مفتوحة الجانبين ومثقوبة الجوانب الأخرى، وينفخ فيها بقصبة أخرى نحيلة وقصيرة توصل الهواء إلى جوفها فيخرج الصوت حاداً وسريعاً. وللنافخ بالناي أن يحتفظ بكمية من الهواء في فمه يصرفه عند الحاجة إليه، لكي تصدر النغمة الموسيقية خالية من جميع الشوائب.

دبي ـ عنان كتانة