يبقى «كان» متألقاً وسط هذا الكم من المهرجانات الدولية والإقليمية والمحلية، له مكانة خاصة لدى أغلب صانعي السينما في العالم، ويبقى البعض القليل الذي يعتبره غابة «لا إنسانية» تستنزف كل قوى الزائر، نظراً لعدد مرتاديه الذين يفوقون الثلاثين ألفاً، من وسائل الإعلام، إلى السوق، مروراً بصانعي الأفلام أنفسهم، والبرامج الكثيرة المتعدّدة، وانتهاء بصرخات وتهاليل العامة الذين ينتظرون بشوق لحظات رؤية نجومهم المفضلين من على بُعدٍ قاسٍ.

يعود مهرجان «كان» السينمائي الدولي في دورته الحادية والستين، بعد أن خفتت أضواء الدورة السابقة التي صاحبها احتفاء كبير بمناسبة ستينية المهرجان. وهذه المرّة يأتي خافتاً بنفسه، وسط احتفالية خاصة بالأفلام، أكثر منها بالمهرجان، وكعادته يحتفي بـ (22) فيلماً داخل المسابقة الرسمية. - المسابقة الرسمية: إذا ما نظرنا إلى اختيارات المسابقة الرسمية، فهي تتوزّع ما بين أفلام لمخرجين مخضرمين ولهم مشوار طويل مع «كان»، وما بين مخرجين جدد يشاركون هنا للمرّة الأولى، وهذه نقطة تُحسب لتيري فريمو، المدير الفني للمهرجان، فبينما كان «الكبار» يحظون بنصيب الأسد في الدورات السابقة، والمخرجون الجدّد يحظون بفرص أكبر في تظاهرة «نظرة ما»، تأتي الدورة الحالية، والدماء الجديدة في أغلب الأقسام الرسمية.

أفلام المسابقة: فيما يلي نظرة سريعة علي بعض أهم الأفلام التي تشارك في الدورة الحالية، وغالبيتها من إنتاج عام 2008، وتتسم بالواقعية والخيال والغرابة. * «عمى» ـ فيلم الافتتاح إخراج: فيرناندو ميريليز ( البرازيل ـ كندا ـ اليابان): تصاب مدينة بوباءِ مدمّر يعمي البصر للحظة يُعرف بـ «العمى الأبيض». يتعرّض المصابون للحجز من قِبل السلطات في مشفى للأمراض العقلية؛ لكن سرعان ما ينهار هذا «المجتمع الأعمى»، ويسيطر المجرمون والأقوياء جسدياً على الضعفاء. هناك شاهد عيان على هذا الكابوس: امرأة لم يتأثر بصرها بهذا الوباء، تلاحِق زوجَها المُصَاب بالحَجْر، حيث تُخفي سر إبصارها عن الكل، وتُوجّه سبعة غرباء أَصبَحوا -جوهرياً ـ عائلة واحدة الآن. يدخل المخرج ميريليز بعمله الجديد المسابقة الرسمية، بعد أن شارك في عام 2002 بفيلمه الرائع «مدينة الإله» خارج المسابقة.

* «إعجاب» ـ إخراج: أتوم أغويان(كندا 2007 ): يُعيد المراهق «سايمون» تجديد حياته عبر الإنترنت. تُثيرُ قصّته ردودَ أفعال قوية في كافة أنحاء العالم؛ فالفضاء الشبكي هو منتدى واسع للضحايا أيضاً، ولكن هل هو مكان آمن للإصلاح. أغويان حضر إلى «كان» للمرّة الأولى في العام 1989 بفيلم «أعضاء ناطقة»، واستمر تواجده للآن.

* «تشي» ـ إخراج: ستيفن سودربيرغ (الولايات المتحدة ـ فرنسا ـ إسبانيا): يقع هذا الفيلم في جزأين، و(268) دقيقة. يدور الجزء الأوّل في نوفمبر 1956، وذلك عندما يبحر فيديل كاسترو إلى كوبا بصحبة ثمانين رجلاً ثورياً، أحدهم إرنستو تشي غيفارا الطبيب الأرجنتيني الذي يتقاسم الرؤى مع كاسترو ـ لإسقاط نظام باتيستا الدكتاتوري الفاسد في كوبا. في الجزء الثاني، يختفي «تشي» فجأة، ويظهر مستتراً في بوليفيا، حيث يستعد مع مجموعة من الرفاق الكوبيين، والمجنّدين البوليفيين لبدء ثورة أميركا اللاتينية العظيمة لتضرب مثلاً في حكاية الإصرار والتضحية والمثالية.

سودربيرغ ـ في فيلمه المرتقَّب هذا ـ ربما يترقّب السعفة الذهبية التي حصدها في أوّل مشاركة له في «كان» عام 1989 بفيلم «جنس، أكاذيب وأشرطة فيديو».

* «مفكّك» ـ إخراج: كلينت إيستوود (الولايات المتحدة 2007): لوس أنجلوس 1928، في صباح يوم سبت، في ضاحية العمال، تُودّع «كريستين» ابنها «والتر»، وتذهب للعمل. عندما تعود للمنزل، تكتشف أنه اختفى، تتبعه ببحث يائس، بعد شهور يدّعي طفل في التاسعة بأنه الابن العائد. إيستوود من جديد في كان، بعد خمسة أفلام في المسابقة الرسمية، أولها «راكب شاحب» في 1985، وآخرها «نهر باطني» في 2003.

* صمت لورنا - إخراج: جان بيير داردين، لوك داردين (بلجيكا ـ فرنسا ـ إيطاليا): «لورنا» امرأة ألبانية تعيش في بلجيكا. تُصبح متواطئة مع خطة شيطانية رسمتها عصابة «فابيو»، وذلك لأجل امتلاك مطعم مع صديقها. الأخوة داردين من القلائل الذين حصدوا سعفة كان الذهبية مرتين: الأولى في عام 1999 عن فيلم «روزيتا»، والثانية في 2005 عن فيلم «الطفل».

* «لينها دي باسي» - إخراج: والتر ساليس، دانييلا توماس(البرازيل): في قلب أحد أقسى وأكثر المدن فوضوية في العالم، يحاول أربعة أخوة إعادة تشكيل وضعيتهم بطرقٍ مختلفة، وعلى خلفية حالة الطوارئ في البرازيل؛ يبحث كل مواطن عن مخرج. البرازيلي ساليس الذي أدهشنا بفيلم «مذكرات درّاجة نارية» في عام 2004، يعود هنا مع مواطنته دانييلا توماس بفيلم واقعي آخر من قلب البرازيل.

* «طلقات نار باليرمو» ـ إخراج: فيم فيندرز (ألمانيا): عندما تخرج حياة مصور فوتوغرافي عن السيطرة فجأة، يأخذ «فين» إجازة، تاركاً من خلفه كل شيء. تقوده رحلته إلى «باليرمو»، حيث يجد نفسه مضطهداً من قِبل قنّاص غامض يلاحقه لأجل الانتقام. فيندرز من أكثر المخرجين مشاركة في مسابقة المهرجان الرسمية، فهو يحضر بهذا الفيلم للمرّة التاسعة.

* حكاية عيد الميلاد ـ إخراج: آرنو ديسبلشين، فرنسا: «أبل» و«ينون» لديهما طفلان «جوزيف» و«إليزابيث» يُعانيان من مرض وراثي نادر، ل«جوزيف» أمل وحيد هو في زرع نخاع عظم، وبما أن الطفلين غير متوافقين جينياً، يقرّر الأبوان انجاب طفل ثالث لإنقاذ حياة الابن. المخرج الفرنسي ديسبلشين شارك لأوّل مرّة في كان عام 1991.

لجنة تحكيم المسابقة

تتكون لجنة التحكيم من الممثل والمخرج شون بن (الولايات المتحدة)، رئيساً. أما الأعضاء فهم: الممثلة جين بيلبار، المخرج رشيد بو شارب، الممثل سيرجيو كاستليتو، المخرج ألفونسو كوران، الممثلة الكساندرا ماريا لارا، الممثلة ناتالي بورتمان، المخرجة والكاتبة ماريان ساترابي، المخرج أبيشاتبونغ ويراسيثاكوي.

وينحاز شون بن دائماً إلى السينما البديلة والمستقلة، سواء في اختيار أدواره التي قام بتمثيلها أو تلك التي أخرجها. هو ليس غريباً عن كان، سبعة من أفلامه عرضت في المسابقة الرسمية أو في البرامج الموازية، بدءاً من «الراكض الهندي» في عام 1991، مروراً بـ «الوعد» في 2001، وانتهاءً بفيلمه الجديد «ماذا حدث؟» الذي يعرض في دورة هذه السنة خارج المسابقة الرسمية. شون حاز على جائزة أفضل ممثل عن فيلم «إنها جميلة» في عام 1997.

العرب يركزون ثقلهم في تظاهرة «نظرة ما»

كعادتها تبدو المشاركة العربية ضئيلة وخجولة، وربما تكمن ثقلها في تظاهرة «نظرة ما»، حيث يشترك فيلمان، الأوّل للثنائي اللبناني جوانا حاج توما، وخليل جريج بفيلم «أريد أنا أرى» الذي يرجع إلى يوليو 2006، حيث تندلع الحرب في لبنان، ولكن هي ليست حرب جديدة وفقط، بل حرب تسحق كل آمال السلام لهذا الجيل.

أما الفيلم الثاني؛ فهو للفلسطينية آن ماري جاسر في أوّل فيلم طويل من إخراجها، بعد عدّة أعمال قصيرة، منها «كأننا عشرون مستحيلاً» في 2003. الفيلم الجديد بعنوان «ملح هذا البحر»، ويدور حول الشابة «ثريا» التي وُلدت وترعرت في بروكلين، وتقرّر العودة للعيش في فلسطين، الدولة التي أقصي أهلها منها منذ 1948. عند وصولها إلى رام الله، تُحاول «ثريا» استعادة أموال جدّها التي جمّدت في حساب في يافا، ولكنها تُرفض من قِبل البنك.

هناك فيلم قصير بعنوان «الخادمة» يُعرض في قسم «سيني فاونديشن» للمصرية الأميركية هايدي سمعان، ويقع في 19 دقيقة، ويستعرض تلك اللحظات التي نُجبر فيها على فهم أن الآخرين هم واقع كما نحن، وذلك من خلال شخصية «رشا» الخادمة المصرية التي لا تجيد عملها بمهارة، وتشك بنوايا ربّ عملها، فيجب عليها الآن إيجاد موقع لها ضمن العائلة.

جناح مهرجان دبي السينمائي

للسنة الثانية، يقع جناح مهرجان دبي السينمائي الدولي ومدينة دبي للاستوديوهات في القرية الدولية «ريفييرا» ـ جناح رقم 41، وفيه تُقام عدّة أنشطة ولقاءات مع مدراء المهرجانات والاستوديوهات، وشركات الإنتاج والتوزيع. يزور المهرجان وفد من مهرجان دبي السينمائي، ومدينة دبي للاستوديوهات، ورعاة المهرجان، والإعلام المحلي، هذا إضافة إلى مبرمجي المهرجان.

وكشفت مدينة دبي للاستوديوهات، العضو في تيكوم للاستثمارات عن مشروع «مركز القرية»، المشروع الترفيهي متعدد الوظائف الذي تطوره المدينة باستثمارات تتجاوز 5 ,1 مليار درهم (420 مليون دولار). ويقع مشروع «مركز القرية» الذي يتم تطويره على مساحة مليوني قدم مربع في قلب مدينة دبي للاستوديوهات، وسيفتح أبوابه للجمهور والعاملين في قطاع السينما على حد سواء. وسيمثل المشروع نقطة جذب لصانعي الأفلام والكوادر السينمائية.

كان ـ مسعود أمرالله آل علي