لكل فنان ومبدع حس يميزه، ولكل صاحب بصمة نهج يرتضيه لنفسه، ولكل من أحب عمله نجاح يحالفه، كما أن لكل مجتهد نصيباً.. هكذا بالتحديد هو واقع عادل سرحان ابن القرية الجنوبية والمخرج اللبناني الشاب الذي أبدع صناعة «الفيديو كليب»، وأحد ألمع المتخصصين في هذا المجال، فيما أعماله كلها تصطبغ بلون عربي أصيل مقبول اجتماعياً، وهو يحمل رسالة إنسانية هادفة، ومعبرة في أدق تفاصيلها، وهو بعيد عن كل أشكال الابتذال الفني.

وعلى الرغم من أن انطلاقة سرحان في إخراج «الفيديو كليب» كانت في العام 2005، إلا أنه يعتبر إخراجه لأغنية ''باب عم يبكي'' للفنان عاصي الحلاني في فبراير من العام 2007، كان بالنسبة له فاتحة خير وانطلاقة نوعية، فتلك كانت الأغنية التي حققت صدى فنياً واسع النطاق، وهي التي حملت رسالة إنسانية لا تستثني أحداً، وفيها الصورة التي تحاكي الشعور والوجدان والقلب والعقل والحب والحزن، فلا إنسان على وجه البسيطة وجد بلا أم.

المخرج الموهوب قال إنه لا يهدف من وراء إخراجه الأغنيات الوصول إلى الشهرة، بل هو منسجم في مجال يحبه ويخلص إليه، وشعوره مع كل فيديو كليب أخرجه يوازي شعور الأب بمولود جديد له، فهو إلى الآن ''أب'' لما يقارب الـ 100 أغنية، مع الإشارة إلى أنه لم يتزوج بعد، وأكثر ما يسره أنه حينما يشاهد الأغنية بعد التصوير، يتساءل باستفهام واستعجاب: ''هل أنا الذي صنع ذلك العمل؟''.

رسائل مهذبة: في حديثنا مع المخرج عادل سرحان، الذي اختار منذ عامين دبي للسكن والعمل مناصفة مع بيروت، شدد على أن 80% من ''فيديو كليباته'' التي تجاوزت في عددها المئة لمختلف الفنانين العرب، تحمل في طياتها رسائل اجتماعية وثقافية وإنسانية وفنية مهذبة، قائلاً: ''أفضل أن أجلس في بيتي 20 عاماً على أن أخرج فيديو كليباً واحداً خارج إطار الأخلاق والأدب والاحترام، فأنا ابن ''الضيعة'' وبيئتي وظروف تربيتي تفرض علي الالتزام في كل ما أقدمه من جهد فني''.

ويعتبر سرحان أن إخراجه أكثر من أغنية للفنان عاصي الحلاني، أهله لفهم كثير مما يطمح إليه الحلاني، ومما يريده في أغنياته المختلفة، محتفظاً في ذات الوقت بمكانة الحلاني ولقبه الفريد ''فارس الغناء العربي''، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار عدم تكرار أي شكل من أشكال الفيديو كليب في أي من الأغنيات التي يصورها، سواء كانت للفنان ذاته أو لفنانين آخرين.

''صوت الحدا''

وفي أغنية ''صوت الحدا'' حرص سرحان على الانتقال باللون الإخراجي من الدرامي الحزين الهادف في ''باب عم يبكي''، إلى ''الدبكة'' الفولكلورية والفرحة والمتعة، وذلك بإشراك الوليد نجل عاصي الحلاني، فكان العمل بمثابة نقلة نوعية أخرى، تفاعل معها الجمهور بقوة، أما الرسالة فكان فحواها التركيز على تعليم التراث ونقله من جيل إلى آخر.

وحول هذه الأغنية بالذات أصر سرحان على إيصال رسالة اعتزاز وافتخار بالتراث العربي، وذلك عن طريق تصوير طفل يتلقي سبحة من جده، وهي دلالة على توارث القديم والاحتفاظ به، ثم تدور أحداث الأغنية في الرقصات الشعبية وفي البساطة التي يدلل عليها مكان تصوير الأغنية وأدواته، معتبراً أن الإنسان لا يمكن له أن يعلو فقط في الكمبيوتر، وفي التكنولوجيا، إذ أن مهمة نقل التراث والاحتفاظ به من أولويات التفوق في هذا العصر.

الأداء التمثيلي

في عمله، يقول سرحان، الذي يتقن التحدث بخمس لغات (عربي وإنجليزي وفرنسي وروسي وتركي)، إنه في البداية يستمع إلى كلمات الأغنية بتمعن، ومن ثم يختار لها فكرة تصوير ذكية تناسب الكلمات من زاوية، وتنفرد في عدم توقعها من قبل الجمهور من زاوية أخرى، ومن المؤكد بالنسبة إليه أن طبيعة الأغنية تفرض اختيار الأداء التمثيلي المناسب لها، فالأغنية الوطنية تتطلب أداءً فيه العنفوان والقوة، والدراما للأغنية ذات الإحساس والعواطف، والجنون والرومانسية للأغنية العاطفية.

أما أغنية ''خيل العرب'' الأخيرة التي أخرجها عادل سرحان للفنان عاصي الحلاني، وهي كلمات نزار فرانسيس، وألحان عاصي الحلاني وتوزيع هادي شربل، فقد جاءت تناغماً مع مهرجان الخالدية الأول للخيل العربي الذي أقيم في المملكة العربية السعودية.

الخيل والفروسية

وحول هذه الأغنية بالذات، أوضح سرحان أنه بمجرد سماعها تبادر إلى ذهنه صورة الخيل الأصيلة والفروسية، وعلاقة الإنسان العربي بالخيل على مر العصور، فأراد لنفسه الخروج بعمل تمثيلي كبير يرقى إلى مستوى الكلمات المغناة، فبعد دراسة مستفيضة للمشهد تقدمت بسيناريو سرعان ما لاقى موافقة ومباركة.

وتم على الفور تصوير المشاهد على مدار أربعة أيام في سوريا، بمشاركة 100 خيل وفارس، واستخدام أفضل التقنيات الحديثة المتوفرة في السينما العالمية، دون إغفال أن فيديو كليب الأغنية يرمز أيضاً في هذه المرة إلى توحيد الخيل العربية وجمع شملها وتمكينها على أرض الآباء والأجداد، عوضاً عن الاحتفال بها في الخارج.

وعن اختيار المكان في التصوير قال سرحان، إنه في البداية لا يفكر بغير بلده لبنان، فهو المكان الأجمل بنظره على مستوى العالم، ولكن في ظروف معينة وإجبارية يفرض عليه الانتقال إلى مكان آخر، سواء كانت في دول عربية أو آسيوية أو أفريقية أو أوروبية، مشيراً إلى أنه صور في أكثر من 10 بلدان عربية وأوروبية، مثلما تعامل مع مختلف الجنسيات من ناحية الفنانين.

ولادة الفكرة

ويسعى المخرج سرحان من خلال أعماله السينمائية إلى إبراز أفكار نوعية متعددة غير متشابهة، فهو كما يقول يتعب كثيراً قبل ولادة الفكرة من مخيلته، فكل ''كليب'' يفرض عليه المسؤولية ذاتها في حجم العمل، بغض النظر عن اسم الفنان.

وبحسب المخرج اللبناني فإن أهم ما في الفيديو كليب أنه يبقى الأداة المثلى في الترويج للفنان، فنجاح أي عمل يعني نجاحاً للفنان، وكما يؤكد سرحان فإنه كمخرج محترف، اختار الأسعار المرتفعة مقابل أعماله التي يراها كما تنطق قلوب الجماهير، من أنجح ''الفيديو كليبات''.

كل هذه الأعمال خرجت من بوابة الإرادة وحب المهنة التي ارتضاها لنفسه المخرج الشاب عادل سرحان، فهو كان قد سافر إلى روسيا بعد انتهائه من دراسته الثانوية، ودرس هناك في أحد المعاهد السينمائية لمدة سنتين، لكنه لم يكمل، وعاد إلى بلده لبنان حاملاً في جعبته أحلاماً وطموحات، سرعان ما تحققت في تعاملاته مع فنانين من مستويات مختلفة، حتى غدا مخرجاً متألقاً لا يقبل لنفسه التعامل مع أي أغنية، لا ترقى إلى مستواه الأخلاقي والإنساني والتربوي.

دبي ـ عنان كتانة