فى حديث رمزي هو اجمل مافي سيناريو حين ميسرة يقول فتحي لعادل - من ساكنى العشوائيات - '' حصلت مرة عاركة كبيرة قوية ايام مشكلة الامن المركزي وعملوا حظر تجول واخوك رضا صمم انه ينزل عشان يشوف الدبابات وانا نزلت معاه ، تعرف لما نزلنا ومشينا وسط العساكر والدبابات ماحدش حس بينا ولا اكنا باينين ، هو احنا مش موجودين ولا ايه ياعادل ؟ .
هذا الحديث يقودنا مباشرة الى قلب تجربة الثنائي السينمائي الجديد خالد يوسف و ناصر عبد الرحمن بالدخول الى عالم العشوائيات لينقلوا لنا واقع الحياة في تلك المجتمعات الهامشية والمشاكل التى يعاني منها ساكنوها وذلك عن طريق نموذج ناهد (سمية الخشاب) وعادل (عمرو سعد) التي نشأت بينهما علاقة غير شرعية كان نتاجها طفلاً يرفض أباه الذى لايجد قوت يومه الاعتراف به وترفض امه التى لاتجد مأوى لها الاحتفاظ به. لنصبح بذلك امام الثلاثة خيوط الرئيسية التى يحاول من خلالهما الثنائي مناقشة ابعاد القضية ، ناهد التي اخذت تبحث عن يد تعطف عليها وتنقذها من الضياع وعادل الذي اصطبغت حياته بعشوائية بيئته والولد الذي تركه أبواه ليواجه مصيره المجهول في هذه الحياة.
اتسم سيناريو حين ميسرة بالدقة في بناء شخصياته والاقناع في تسيير حبكته ... ففي معالجة شخصية ناهد نجد ان السيناريو نجح في التأسيس للاسباب التي جعلتها تفر الى الشارع - من علاقة غير شرعية لايعترف بها الزوج الى اب متوفى الى زوج ام يتحرش بها الى ام تعيش في عالم تخيلاتها الجنسي الخاص ولا تهتم بابنتها - ولكنه فشل بعد ذلك في التطور بسلاسة الى الكيفية الطبيعية التي يجب ان توضع فيها الشخصية عن طريق الكثير من المط والتطويل والاحداث المفتعلة لتعظيم الماسأة .. الامر الذي قلب التعاطف المبدئى مع الشخصية الى لامبالاة .. فشخصية سلمت جسدها طواعية لرجل كانت تدرك جيدا انه يستمتع بها ، ماالذي قد يمنعها من ان تسلم لحمها الرخيص الى عايدة او الى عدنان او الى اي شخص اخر ؟ انه التاجر الشاطر خالد يوسف الذي منعها ليستطيع ان ينفذ مشاهد دعائية تجذب الجمهور لفيلمه كمشهد الشذوذ ومشهد الاغتصاب.
اما شخصية عادل حشيشة فقد نجح السيناريو فى البداية ايضاً بصبغها بعشوائية البيئة التى افرزتها فمن ميكانيكي الى تاجر مخدرات الى بلطجي الى مسجون ولكن سرعان ما انتقلت العشوائية من الشخصية الى المعالجة نفسها لتتوه معالم الشخصية في زخم الاحداث الدخيلة وتظل احاديثها عن ابنه الضائع وناهد التى تنتظره احاديث مفروضة ولاتخرج من عباءة الشخصية. اما خط ايمن ضحية العلاقة فعلى الرغم من ان السيناريو استطاع ان ينفُذ من خلاله الى عالم اطفال الشوارع ويصور مفرادته الصادمة والمسكوت عنها إلا ان التحول المفاجيء والغير مبرر الذى بُنى عليه هذا الخط والذى جعل ايمن يستبدل دفء البيت ببرودة العراء يظل الشوكة التى وقفت في حلق الجزء الوحيد من السيناريو الذي كان من الممكن ان يتم معالجته دون اخطاء .
وضوح الرؤية ورغبة في السير علي نفس خط فيلم '' هي فوضى '' لدى ثنائي العمل يتضح بصورة اكثر فى العلاقة الثلاثية بين الشرطة وسكان العشوائيات والارهاب ، ففي الوقت الذي يرسم فيه السيناريو بتميز علاقة النفع المتبادلة بين الشرطة وبعض المجرمين من سكان العشوائيات. ويرصد بجرأة الممارسات الخاطئة التي تقوم بها الشرطة كتعذيب الابرياء نجده يتعامل مع قضية الارهاب كمسير للحبكة وتأكيد علي ان العشوائيات هي بؤر خصبة له رغم أنه لم يتقص اسباب نشأته وظهوره فى تلك المجتمعات بما يتناسب مع مقصد الفيلم الأساسي ، وياليته غاص في ذلك فكان سيحسب له بأنه أقوى معالجة شهدتها الدراما المصرية بوجه عام لتلك القضية الحيوية الخطيرة.
بعد انتهاء الفيلم تأسف خالد يوسف للجمهور على عدم نقل الواقع الذي عايشه الى السينما لأنه اصعب من ان يُنقل ، وانا اتأسف له انني صدمت في واقع العشوائيات وأعتبرت حين ميسرة أمتداد لفيلم هى فوضى ودخلت الجُحر بقدمى مرة اخرى ، و اقول له انك بأمتيازتؤكد خط واقعي جديد تنوي اتباعه ينقل السينما المصرية من مدعية الي حقيقية تكشف المسكوت عنه لسنوات طويلة.
كانت المنظومة التمثيلية هى افضل عناصر حين ميسرة .. هالة فاخر تعيد اكتشاف نفسها بقوة ، فبعد ان قامت بدور ام من الطبقة الوسطى في هي فوضى تعود اليوم باداء ممتاز فى دور ام من العالم السفلى سحبت به البساط من جميع ممثلات العمل اصحاب الاسماء اللامعة.
عمرو سعد شاهدته مرة واحدة فى دور صغير فى المدينة قبل سبع سنوات وهاأنا أراه اليوم اكبر مكاسب العمل ومشروع نجم كبير اذا احسن استغلال ادواره . وفاء عامر نضجت كثيراً واصبحت متمكنة جدا من ادواتها واستطاعت برغم مساحة دورها الصغيرة ان تفرض اسمها بقوة في قائمة المُجيدين.
اذا كان عمرو سعد اكبر مكاسب العمل فإن عمرو عبد الجليل يعيد اكتشاف نفسه من خلال هذا العمل ، فاكهة الفيلم بحق وحامل اختام السعادة الذى رسم البهجة على وجوهنا بقالب يأخذ روح شخصية اللمبي و لكن بحس فني عال.
وارجو من الله ان لايغري نجاح هذه الشخصية منتجي اللحمة لكي يصنعوا لها فيلم خاصا ، سمية الخشاب وغادة عبد الرازق ومحمود قابيل واحمد بدير واميرة فتحي و احمد سعيد عبد الغني وسوسن بدر وخالد صالح كضيف شرف ادوا ادوارهم في حدود المطلوب والمرسوم من قبل السيناريو وماأراد المخرج أن يفضحة ويصدم به المسؤولين قبل الجمهور.
ثنائي جديد في السينما الواقعية
مخرج الفيلم خالد يوسف اعتبر «''حين ميسرة''» من أهم أفلامه بل فيلمه الأول رغم اعتزازه بأعماله السابقة، فيما رأى كاتب السيناريو ناصر عبد الرحمن هذا العمل ''بداية ثنائي يقترب من تجربة المخرج الراحل عاطف الطيب والكاتب بشير الديك''، في إشارة إلى أحد أهم التجارب الناجحة في السينما الواقعية في مصر.
ناقد ومخرج يتفقان على أهمية الفيلم
الناقد السينمائي سمير فريد اعتبر فيلم (حين ميسرة) ''من أهم الأفلام التي أخرجها خالد يوسف كعمل يقدم الصورة الواقعية للحالة التي تناولها''. كذلك رأى المخرج السينمائي دواد عبد السيد أن ''الفيلم أفضل من غيره من حيث تطرقه لموضوع العشوائيات''، مشيرا إلى أهمية لفت الانتباه للأزمات الاجتماعية بدلا من الأفلام التي لا تحمل أي مضمون.
الصراخ والسلوكيات العنيفة واقع حاد أمام الكاميرا
يحسب للفيلم محاولته تقديم واقع العشوائيات التي تعاني من الفقر والتهميش والظلم والنسيان، فهي خارج حسابات وأيديولوجيات الحكومات والوزارات إلا من الجهات الأمنية التي تعمل فيهم قمعا وإرهابا واضطهادا.
كما أن الفيلم أبدع في تصوير أثر واقع العشوائيات هذه على الحياة النفسية والاجتماعية للسكان، من خلال إيقاع الفيلم ذاته، الذي جاء مليئاً بالانفعالات الحادة التي رافقتها حركة سريعة وحادة للكاميرا، والسلوكيات العنيفة، والصراعات الداخلية والتي أظهرت عنفا مختلفا بفعل سوء الواقع الاقتصادي والاجتماعي، كما يظهر في لغة الفيلم ذاته فالتخاطب لا يتم إلا بالصراخ، وتحصيل الحقوق أو ما يعتقد أنها حقوق لا تكون إلا بالقوة.
التحقيق بتهمة الدعوة لنشر الشذوذ
طالب المفكر الإسلامي والأستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة الدكتور عبد الصبور شاهين بإحالة بطلتي ومؤلف ومخرج فيلم ''حين ميسرة'' على النيابة العامة للتحقيق معهم بتهمة الدعوة إلى نشر الشذوذ الجنسي والسحاق والتخريب الأخلاقي، مشيرا إلى أن ''الأصابع الأميركية والصهيونية'' تقف وراء مثل هذه الأعمال الفنية الشاذة.
القاهرة - أسامة عسل



