الإغراء وسيلة عصرية للأضواء والنجومية.. هذه الوصفة الجديدة باتت حديث الشارع والجمهور ووسائل الإعلام في السنوات الماضية.. قصة بدأت بكشف المفاتن وانتهت بالتحرش الجنسي، فالمشاعر الملتهبة من مشاهد الإغراء حركت أفكار الشباب والمراهقين ليمارسوا أفعالاً مشينة ضد هؤلاء المغنيات اللواتي برعن في نصب أفخاخهن وإيقاع ضعاف الحيلة في شباكهن، فحصل المحظور واستبيحت الأعراض، وانتهكت الأعراف الاجتماعية التي طالما دأب مجتمعنا العربي للحفاظ عليها.

ظاهرة

ظاهرة مغنيات الإثارة انتشرت مطلع القرن الجاري حيث اكتسحت ساحة الغناء العديدات من الجميلات اللواتي امتهن حرفة الطرب بعد أن استقلن من مهن قصيرة الأجل من ضمنها عرض الأزياء.. وإن كانت تلك الفتيات اللواتي قد أطلقن على أنفسهن لقب فنانات لا يملكن أدنى قدر من الموهبة ولا اقل مؤهلات الغناء، غير أنهن وجدن جمهورا كبيرا وحصدن نجاحا باهرا قد يراه البعض مستغربا للوهلة الأولى، غير أن أسلوب الإغراء وكشف المفاتن الذي اعتمدته هؤلاء كان كافيا لجذب جيش من الجمهور العربي خاصة أن جله من الشباب والمراهقين.

ومع مرور السنوات صارت الإثارة مبتغى يسعى وراءه الجميع فهي الطريقة الأسهل والأضمن للوصول، وانك لتستغرب أن فنانات من مكانة كارول سماحة مثلاً، لجأن لهذا الأسلوب رغم امتلاكهن مقومات الصوت والأداء المتمكن. وحين استغرقت هؤلاء الفنانات في عريهن وتمادين في إغرائهن بتن يتعرض لكثير من مواقف التحرش خلال الحفلات والأماكن العامة حتى بات عدد من المهووسين ممن يتابعون خطواتهن ويتعقبون حركاتهن بشكل مستمر، كما حدث مع كل من نانسي عجرم وباسكال مشعلاني اللتين باتت كل واحدة منهما تخشى أن تجد معجبا مهووسا بمفاتنها في كل بلد عربي تحط فيه رحالها.

دينا ومروى

ومن الحوادث العامة التي برزت في الآونة الأخيرة ما تعرضت له الراقصة دينا حين قامت بصحبة المغنيين سعد الصغير وريكو بالغناء والرقص أمام إحدى دور العرض السينمائي للترويج لفيلمهم، فما كان من الجمهور إلا أن تدافع باتجاه الراقصة المصرية في محاولة لتلمس جسدها الذي كان مكشوفا في أجزاء كثيرة منه، لكن وزارة الداخلية المصرية أنكرت في وقتها حدوث أي تحرش وقالت إن ما حدث كان مجرد تجمع عادي للجماهير لمشاهدة أبطال الفيلم.

وكان قد سبق هذه الحادثة الفيديو كليب الشهير لأغنية «العنب» الذي ظهرت خلاله الراقصة المصرية بلباس قصير ومكشوف الصدر وقدمت وصلة من الرقص الشرقي المثير، ما جعل هناك حافزا لرؤية دينا والاقتراب منها حينما علم بوجودها في حفل افتتاح الفيلم. وما زال يلوح في الذاكرة ذاك الحادث الذي تعرضت له المغنية المثيرة للجدل مروى في مصر حيث كانت في مواجهة اعتداء وتحرش جنسي من قبل الجمهور، في حفل أقيم بشاطئ النخيل بالإسكندرية أمام أكثر من 20 ألف شخص.

وبدأ الاعتداء حينما حاول بعض الشباب الصعود على المسرح أثناء غناء مروى التي كانت ترتدي فستاناً مثيراً، محاولين لمس جسدها، وبعد انتهائها من أداء فقرتها واصل الشباب محاولاتهم مستغلين الزحام الشديد حولها. وأمام الأعداد الغفيرة من الشباب ، فشل الحراس الشخصيون ورجال الشرطة في حماية مروى من التحرش واضطروا إلى إدخالها إلى إحدى الشقق المجاورة للشاطئ الذي أقيم فيه الحفل، وظلت مروى بداخلها حتى صباح اليوم التالي.

والغريب في الأمر أن مروى ظهرت بعد الحادث على شاشة قناة المحور الفضائية وأكدت على أن الأمر لم يكن تحرشا بالمعنى المفهوم، بل أن الشباب تدافع عليها من شدة إعجابهم بها وأرادوا التقاط الصور معها، وأن السبب في كل ذلك هو سوء التنظيم وعدم وجود أمن كاف، وقالت: إن ملابسها كانت محتشمة، وأن الفستان الذي ارتدته كان طويلاً جداً وربما نسيت أنه كان عاري الصدر.

على أن الكثيرات من المغنيات يجدن من الأعذار الكثير لتبرير عريهن، بل إن هؤلاء الفنانات يرفضن الاعتراف بأن ما رق من الثياب وشف منها يعتبر بعيدا عن تقاليد وعادات العرب، بل أنهن يلجأن إلى تبرير ذلك بحجة مسايرة الموضة وإتباع أحدث صيحات الأزياء، ومنهن من يهاجم الأقلام المنتقدة لعريهن بحجة ان فنانات الغرب يتفوقن عليهن في الإثارة والتعري ولا يجدن كلمة نقد أو امتعاض.

ولأن هيفاء وهبي فتحت الباب لموجة مغنيات الإثارة فإنها أصبحت مثلا يحتذى لكل هؤلاء، وصارت فتاة أحلام الشباب وأيقونة المراهقين، حتى بات حضور حفل لها غاية يسعى إليها جل أبناء الجيل الصاعد، ومطلبا للجميع على اختلاف رغباتهم ومتطلباتهم.

الكبت الجنسي والعنف

ويعتبر أطباء علم النفس أن الكبت الجنسي الذي يعاني منه الشباب العربي من أوضح الأسباب التي تجعل مما يقدمه هؤلاء المغنيات سلعة رائجة، ويعتبرون ان التحرش بهن لا يعدو عن كونه نتيجة طبيعية لما يقمن به من حركات مثيرة إن على المسرح أو في الفيديو كليب أو حتى في الأماكن العامة التي يظهرن فيها. كما يؤكدون ان هؤلاء المغنيات لسن ضحايا لا حول لهن ولا قوة كما يحاولن تصوير المواقف التي يتعرضن لها، بل إنهن يستهن بالمعاني التي تحملها كلمة فن ويحولنه إلى سلعة يروجن لها تجارياً بالاعتماد على الجسد العاري والألبسة الفاضحة والرقصات الخليعة..

ولا يرى الأستاذ الدكتور أحمد الإمام أن مفهوم التحرش الجنسي ينطبق على مثل تلك الحوادث التي تتعرض لها فنانات الإثارة من قبل الجمهور في الأماكن أو الحفلات العامة، فالتحرش الجنسي لا يكون إلا في حالة الاعتداء الجسدي بشكل قسري دون أدنى توافق أو تراضي أو محاولة استدراج عاطفي أو جنسي، وهذه الحال تناقض ما يحصل مع المغنيات المتعريات، فهن يملكن تصوراً مسبقاً عن ردة فعل الجمهور ويبذلن ما بوسعهن لتأجيج واستثارة الاندفاعات الغريزية، وإلا لما ارتدين تلك الألبسة العارية التي تكشف أجسادهن وهن يعلمن أنهن بصدد مواجهة جمهور عريض ومتحفز، وهنا تكون الرغبة متبادلة فالمغنيات يقدمن الإثارة لاجتذاب الجمهور، والجمهور يستجيب لهذه الإغراءات بحضور حفلاتهن فلا ضحية ولا جلاد في هذه المعادلة.

ويؤكد الإمام أن الموضوع لا يعدو عن كونه تجارة تعمد شركات الإنتاج وأجهزة الإعلام إلى ترويجها، فهي تبدأ من خلال المظهر المغري الذي تبدو فيه المغنيات في الصور وعلى أغلفة الألبومات وفي الكليبات المصورة، وتنتهي بالحفلات الكبيرة التي يكون فيها استثمار للترويج الكبير الذي لحق بهذه المغنية أو تلك والتي باتت مصدرا للغرائز في أذهان الشباب الذين يعانون من الكبت الجنسي. ويقول د. الإمام ان ردود الفعل الاندفاعية الجماعية تطغى في حوادث الاحتكاك بالفنانات خلال حفلاتهن، وهناك من يستغل فرصة التجمع لتفريغ شحنة العنف وإسقاط إخفاقاته في جو الفوضى والغوغاء.

دبي- نائل العالم- عنان كتانة، بيروت- رانيا غانم