صفحة اسبوعية متخصصة في تاريخ الجزيرة العربيةوأدبها
هندرسون : مجلس راشد أقرب ما يكون إلى البلاطات البريطانية القديمة منذ قديم الزمان وهذي البلاد الطيبة تجتذب السياح والتجار والعسكريين بل كانت ممرا لقوافل التجارة وتشهد الآثار المكتشفة والتي لا تزال تكتشف على أهمية هذه المنطقة وإن أنس لا أنسى يوم استدعيت لقصر زعبيل منذ عدة سنوات ووجدت قد حضر قبلي الأديب حمد بوشهاب رحمه الله والفريق ضاحي خلفان بن تميم ثم حضر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وقمنا بمرافقة سموه نحو الصحراء حتى وصلنا إلى مكان لم أعد أذكر مكانه ثم توقفنا ونزلنا نمشي وأقدامنا تغوص في الرمال وقلت لنفسي ما هذا المكان وما أهميته ؟ وبعد فترة صمت ونحن نمشي وقف سموه وقال : هل تعرفون هذا المكان ؟ هذا المكان يحوي آثارا قديمة جدا تعود إلى آلاف السنين ثم أخذ قطعا حديدية من تحت الرمل وقال هنا كان أكبر مصنع للحديد ثم أرانا مكان البيوت وحدود الماء وأنا أقلب رأسي وأقول في نفسي : عرفت سموه عسكريا وشاعرا وفارسا وقائدا واقتصاديا والآن اكتشف أنه خبير آثار فلم أطق الصمت وسألته : يا صاحب السمو كيف قمت باكتشاف هذا الموقع الأثري وهو قابع تحت الكثبان الرملية ؟
فابتسم لي وقال : كنت مرة في الهليكوبتر ومررت على هذي الكثبان وتحيرت في أمرها فشكلها يختلف عن الكثبان الأخرى فحددت نقطة الموقع ثم رجعت إلى المكان وبدأت في البحث فاكتشفت أنه موقع مصنع قديم للحديد وتتبعت آثار هذه المدينة في الصحراء . فقلت : قد يكون هناك مواقع كثيرة أثرية لا تزال مخبأة تحت الرمال تحتاج إلى خبرة ونظرة ثاقبة مثل نظرة الشيخ محمد لتخرج هذه الكنوز المدفونة منذ آلاف السنين. أقول هذا لمن يزعم أن هذه البلاد لم تشهد نشوء حضارات على أرضها وهذا محض افتراء وإنما لم نكتشف هذه الحضارات بعد وإلا فأخبرني ما سر وجود مصنع للحديد منذ آلاف السنين في هذه البقعة وفي عمق الصحراء ولكن كما قال المتنبي :
وكم من عائبٍ قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيمِ
وموضوعنا اليوم هو مذكرات ادورد هندرسون الذي عاش في هذه المنطقة منذ أواخر الآربعينات وشهد تطورها وشارك في بدء التنقيب عن النفط وبقي مواليا ومحبا للإمارات حتى وفاته وتلمس هذا بشدة في أثناء قراءة كتابه وقد اخترت منه هذه المقاطع وأتمنى أن تحرص أخي القاريء أن تقتني نسخة منه ، يقول اندرسون عن مجلس الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله تعالى :
هنا أود أن أذكر أنه كان لشركتنا ستة امتيازات للتنقيب عن البترول في الإمارات المتصالحة، ولذلك كان علي أن أزور ستة حكام، وكانت طبيعة عملي هذه ممتعة دائماً ولكن الصعوبة الوحيدة كانت في أن عمل الشركة قلما كان يتعدى أكثر من مشيخة واحدة أو مشيختين بنفس الوقت. وكان الجميع متشوقين وعلى أحر من الجمر أن يتقدم سير العمل، وكلنا نتطلع بفارغ الصبر إلى النتائج.
وفي دبي قال لي أحد الأصدقاء مرة أنه يعتقد أن مجلس حاكم دبي في الستينات كان أقرب ما يكون إلى البلاطات البريطانية القديمة، وشعرت أن هذه ملاحظة بارعة، فعلى الرغم من الفارق الزمني والمكاني الشاسع بين التقاليد والحضارة هنا، ولدى الملوك البريطانيين القدماء، فإن هناك تشابهاً في الأسلوب والنشاط، فقد كان مجلس حاكم دبي يعقد إما صباحا في مركز الجمارك المطل على الخور المتلالئ ومئات السفن الصغيرة التي تنقل البضائع من سفن الشحن التجارية الضخمة الراسية قبالة الساحل، والتي تعاود تصدير تلك البضائع إلى العراق وإيران والهند، أو يعقد عصراً في زعبيل في خيم منصوبة تحت أشجار النخيل، أو في معسكر صيد صحراوي، أو في القصر الصيفي الصغير في الجميرا.
ومهما اختلف مكان انعقاده، كنت تلمس فيه سيطرة شخص واحد، بسيط الثياب، لا يتميز في مظهره الخارجي عن أي من رعاياه، هو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي كان عندما وصلت أول مرة عام 1948 ولياً لعهد والده الحاكم، كان راشد آنذاك الحاكم الفعلي في كل الأمور، بدون أن يحمل لقب حاكم. وكان الشيخ راشد ذا شخصية آسرة، بأنفه الشامخ وعينيه اليقظتين ولطفه الهادئ ووقاره البعيد عن التكبر، وكان يرتدي دائماً «غترة» قطنية بيضاء وعقالاً يثبتها في مكانها، ودشداشة طويلة تعلوها عباءة «بشت» سوداء تزينها من الأمام حافتان رفيعتان مذهبتان، ونعلاً من صنع دبي.
ولم يكن الديوان يخلو من بعض أفراد الرعية وهم في ثياب مماثلة، وكان بعضهم تجاراً، وبعضهم من الحاشية، وغيرهم من الزوار، وآخرون من موظفي القصر، وكان حضور الشيخ يفرض عليهم الاحترام والهدوء، لكن الأمر لم يكن يخلو من حركات رزينة، أما إذا تحدثوا فيما بينهم فإنهم كانوا يفعلون ذلك بصوت منخفض، لأن احترام الشيخ لم يكن يعني توقف الأشغال، بل استمرارها، وهو ما كان الشيخ يريده، بل إنه كان يساعد بحماس أياً من رعاياه على تحسين مستوى دخله. في تلك الأيام، كان العديد من رعاياه قد أصبحوا أثرياء، لكن لم يكن لديهم أموال سائلة، لأن أموالهم كانت دوماً قيد الاستثمار.
ولم تكن مقابلة الشيخ تحتاج إلى الكثير من الذهاب إلى مركز الجمارك صباحاً، وصعود الدرج الحاد الضيق، وغير المنتظم، الذي ينتهي في أعلاه بشرفة مستوية عريضة مكشوفة، تطل على الخور، وإلى جانب الشرفة كانت هناك غرفة مزدحمة، مفروشة بالسجاد والأرائك فقط، عارية الجدران، ذات نوافذ خشبية كبيرة، مفتوحة المصراعين، كان هذا مجلس الشيخ راشد الصباحي، حيث يجلس أربعون أو خمسون شخصاً على السجاد كتفاً إلى كتف متكئين على الوسائد المستندة إلى الجدران، ناظرين عبر الباب أو النوافذ إلى الخور.
كان ينبعث من المجلس دائماً صوت حديث متواصل، ولم يكن يقطعه حتى قيام الشيخ لاستقبالك، وعندها، كان الشيخ بقامته الطويلة المنحنية قليلاً يتقدم نحوك بيد ممدودة وابتسامة حارة، فيصحبك (إذا أراد الحديث معك على انفراد) إلى غرفة أصغر حجماً تطل على الخور ويقتصر أثاثها على سجادة فارسية حمراء وبعض الوسائد. بعد فترة على معرفتي بالشيخ راشد وصل الهاتف إلى دبي، وبعدها كان المرء يرى أنه من اللياقة إبلاغ الشيخ مسبقاً بزيارته.
وكان الأمر ببساطة يعني أن تأخذ من أحد أتباعه رقم الهاتف الذي يكون بجانبه في تلك اللحظة، وكان يرد بنفسه على الهاتف، قائلاً أهلاً، أهلاً، يسرني استقبالك. لكننا في تلك الأيام الأولى، لم نكن قد حظينا بعد بالهاتف، ولذا كان على المرء أن يقوم بالزيارة بدون سابق إنذار، وما إن نجلس في الغرفة الصغيرة حتى نبدأ الحديث، ونحن نشرب القهوة بالفناجين الصغيرة متفرجين على منظر الخور البهيج أمامنا، والماء يتراقص بلونيه الأزرق والفضي حول الزوارق الصغيرة المتحركة في كل الاتجاهات.
بطبيعة الحال كان لابد من البدء بالأسئلة التمهيدية: كيف صحتك؟ وكيف صحة الأهل في البلاد؟ وكم دامت رحلتك؟ إذا كنت قد وصلت جواً، وعساك استمتعت بالرحلة؟ كانت هذه الأسئلة توجه بلطف واهتمام واضحين لكنه كان من الواضح أيضاً أن هذه الأسئلة التمهيدية التي كانت تستغرق تلك الأيام في أجزاء أخرى من الخليج نصف ساعة، أو الجزء الأكبر من الزيارة، لم تكن إلا نوعاً من الواجب، وأن الاثنين يريدان انجازه بأسرع ما يمكن، فقد كان الشيخ راشد واحداً من أولئك القادة الرواد في ترسيخ النموذج السائد الآن للاجتماعات العملية القصيرة التي أصبحت تميز الخليج اليوم.
بعد قليل من الزمن، ينطلق صوت الشيخ منادياً «قهوة» لكن هذا لا يعني أنه يتوقع منك الانصراف، كما هو الحال أحياناً مع ضيوف آخرين، تأتي الفناجين الصغيرة لنتجرعها بسرعة، ولتملأ مرة ثانية بسرعة أيضاً، ثم يسأل الشيخ سؤالاً وجيزاً قد لا يكتمل أحياناً، وقد يكون محيراً أحياناً أخرى، حول الموضوع الذي تنوي بحثه، والذي كان يفترض أنه لا يعلم شيئاً عنه، وهو افتراض ربما يثبت عدم صحته.
فإذا فرغت من الحديث حول القضية التي جئت من أجلها أعطاك الشيخ رأيه مغلفاً ببعض الغموض، وبالمرح أحياناً، وبطريقة تريك مدى اطلاعه على الأمور، وربما لا يترك رأيه مجالاً لمزيد من الحديث حول الموضوع.وغالباً ما يتم تبادل الآراء حول الأحداث الراهنة، وعندها يدلي الشيخ بسيل من التعليقات، تتميز أحياناً بدقة بالغة، وبتفسيرات ممتعة، عما كان البعض يعني حقيقة عندما قال ما نسب إليه.
وقد لا يكون من السهل متابعة كل ذلك الآن الشيخ كان يتحدث بعجلة، لكثرة المواضيع المثيرة التي تنتظر رأيه. وفي إحدى المرات، بينما كنت أراقب تعابير وجهه، ومياه الخور المتراقصة وراءه، خيل إلى أن الأمر يشبه الحديث إلى لوحة تعبيرية، فحديثه المندفع كسلسلة من اللمسات البارعة، التي تبدو كما لو كانت غير مترابطة، يعطيك في النهاية صورة متلألئة وكاملة.
إلا أنه وعلى الرغم من تلهفه للانتقال إلى الموضوع التالي، كما يعيد بسرور جملة ما، مستخدماً كلمات مختلفة، إذا ما اعترفت بأنك لم تفهمه، وعندما نظرت ذات مرة إلى الشيخ نظرة استفسار، بعد ان طرح عليَّ سؤالاً سريعاً، فإن ساقي القهوة الذي كان لحظتها يناولني فنجاني، قال بالعربية مفسراً بحدة: حسنا، هل تستطيع القدوم إلى العشاء هذا المساء؟ ولذا فإنه كان من المفيد جداً أن يبقى المرء متيقظاً أثناء حديثه مع الشيخ راشد.
كان كثيرون يدخلون المجلس للحظات، فيهمسون شيئاً في أذن الشيخ، ثم يتلقون ما كان يبدو لي غالباً تعليمات لم أكن أفهمها، فبالنسبة لي، وباستثناء تلك الدعوة الغامضة للعشاء، أعتقد أن الشيخ راشد لم يقل لي شيئاً لم أفهمه. إلا أنني نادراً ما تمكنت من متابعة الحديث المتبادل بين الشيخ وحاشيته، ولم يكن ذلك نتيجة أن جزءًا من السؤال كان همساً، بل بسبب اللغة المليئة بالتلميحات وبالإشارات التي لا تعني شيئاً للزائر، والتي كان يستخدمها للتفاهم المتبادل مع أتباعه.
بدء التنقيب عن النفط
تقبلت فكرة الذهاب إلى الخليج بكل سرور، وكنت سعيداً لأنه لم يكن علي أن أسعى كثيراً لإيجاد عمل، وكذلك بدا العرض مشوقاً. ولم يكن الراتب مقابل هذا العمل كبيراً إلا أن الشركة كانت تتحمل معظم تكاليف المعيشة خلال العمل. وكان أن اخترت الخيار الأسهل وهو أمر لم أندم عليه مطلقاً في حياتي. وكان علي أن أقرأ بعض المعلومات عن المنطقة، وفي البداية واجهت صعوبة في ذلك بسبب عدم توفر العديد من الكتب القيمة حول هذا الموضوع في ذلك الوقت.
إلا أن صديقاً لي من وزارة الخارجية ساعدني في الحصول على بعض الكتب والتي لم يكن من السهل الحصول عليها دون مساعدته. وكان المؤرخون يتساءلون ما إذا كان الوجود البريطاني في المنطقة كان بهدف التجارة أو أنه جزء من التحركات الاستراتيجية لحماية الهند أولاً ومن ثم الامبراطورية بأكملها والتي تمتد إلى ما وراء الشرق كهدف ثان. فمع حلول عام 1948 لم تعد مسؤوليتنا المباشرة حماية الهند بنفس الطريقة التي كانت قد استحوذت على تفكيرنا واهتمامنا من قبل ولمدة طويلة، إلا أننا اعتبرنا أن شبه القارة الهندية أساسية جداً وحيوية للكومونولث، وأن علاقتنا مع الهند وباكستان ذات أهمية خاصة جداً بالنسبة لنا.
لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية والتي كان يدين فيها البريطانيون كثيراً للجيوش القائمة في شبه القارة الهندية، وكان الرابط الذي يربط الكومونولث بأستراليا وماليزيا مهماً لنا أيضاً. هذا بالإضافة إلى أن احتمالات تحقيق اكتشافات نفطية أخرى من قبل الشركات ومنها شركات بريطانية، جعلت للمنطقة أهمية كبرى لدى الحكومة البريطانية. فلقد جئنا كتجار إلا أن بقاءنا كان لأهداف تجارية واستراتيجية وسياسية مجتمعة. لقد تمنيت أن يكون اطلاعي على حياة البدو في سوريا والأردن في الأربعينات ذا فائدة لي خلال حياتي في الخليج.
كان علي أن أذهب إلى البحرين في أكتوبر عام 1948 للمكوث مع بازل ليرمت ـ «Basil Lermittee» مدير الشركة هناك، والذي كان مسؤولاً عن العلاقات مع مختلف الحكومات فيما يتعلق بالعمل في بلاد الخليج التي كان للشركة امتيازات للتنقيب عن النفط وتطويره فيها، وبالنسبة إلي فقد كان نطاق عملي مقصوراً على (الإمارات المتصالحة) وعمان.
وقد اشتهر بازل ليرمت بمعرفته بالمنطقة الجنوبية من الخليج حيث كان قد مكث فيها لسنوات بحراً أكثر من اعتماده على السفر جواً، وذلك لأنه وقت وصولي آنذاك لم يكن لدى الشركة طائرات مرابطة في الخليج، على الرغم من أنهم كانوا يخططون لذلك، وقد قام بازل بعدة رحلات بواسطة مراكب صغيرة كما أنه عبر الصحراء عدة مرات بواسطة السيارة.
وفي عام 1947 عندما نالت الهند استقلالها تولت وزارة الخارجية في لندن المسؤولية عن الخليج، ومنذ ذلك الحين أخذ الدبلوماسيون البريطانيون يتدرجون في وظائفهم والتي كانت من قبل بيد الإدارة السياسية للهند وبقيت هذه الوظائف تحمل نفس الألقاب الهندية السابقة مثل الضابط السياسي، والمعتمد السياسي، والمقيم السياسي وهذه الوظيفة الأخيرة هي الأعلى ضمن الوظائف المذكورة.
وفي عام 1948، وقبيل وصولي، تعين لأول مرة في الشارقة ضابط سياسي على أساس ثابت. كانت الشركة في بداية برنامجها للمسح الزلزالي بحثاً عن النفط في الدول المتهادنة، وفي ذلك الوقت كانت الإمارات المتصالحة عبارة عن مشيخات اتحدت فيما بعد لتشكل دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1971، وفي تلك الأيام كانت مشيخات متفرقة لكل منها علاقة معاهدة مع بريطانيا.
وقد توجهنا مباشرة إلى الشارقة بعد أن مررنا فوق عدد من الجزر في طريقنا، وخلال رحلة الطيران كنت أتأمل البحر الأزرق في الأسفل كما كنت خلالها أستعرض في مخيلتي طبيعة العمل الذي جئت من أجله والذي كنت أعرف في لندن وفي البحرين عنه بعض التفاصيل.
وبعد إقلاعنا بساعتين لمحت وأنا على متن الداكوتا بطيئة الحركة، الشاطئ الرملي المنخفض ثم رأيت على يميني مدينة صغيرة خمنت أنها مدينة دبي الملتفة حول الخور، وعندما دارت الطائرة استعداداً للهبوط نظرت إلى أسفل فرأيت مهبطاً صغيراً للطائرات بجانبه عدد قليل من المباني المنخفضة، أبرزها حصن شبيه بحصون الروايات الرومنطقية.
وإلى جوار دبي تقع الشارقة والتي كانت في ذلك الوقت مدينة صغيرة جداً يتراءى البحر من خلفها. أما المدينة فهي وسط صحراء شاسعة تمتد براً في كل الاتجاهات إلى أبعد مدى يمكن إدراكه بالعين المجردة. وعند وصولنا لم يكن يوجد على أرض المطار أية طائرة أخرى. وكان وصولنا شبيهاً بمناسبة معينة حيث ان الطائرات المنتظمة تصل مرة في الأسبوع.
ولم يكن هناك إجراءات رسمية جمركية كما أنه لم يكن هناك أي اهتمام بجوازات السفر. وكانت الشمس تميل إلى المغيب، وينبعث من البحر نسيم عليل لطيف ولكنه لزج شديد الرطوبة ولا يستطيع أحد أن يرى شيئاً في البر سوى الكثبان الرملية المنخفضة. وكنت في غاية الشوق لأرى المكان الذي طالما سمعت عنه الكثير، والذي سيبقى مقراً لإقامتي عدداً لا أعرفه من السنين.
وحال نزولي من الطائرة قابلت جاكسون، والذي كان معروفاً بجاكو، وهو رفيق مرح ذو اطلاع واسع يحب العلم والبحث عن المعرفة، يتكلم اللغة العربية بطلاقة، سرنا في سيارة نقل خفيفة من طراز همبر (Humber) فوق الكثبان الرملية حول آخر خور دبي، وقد استمر سيرنا مدة خمس وأربعين دقيقة نجتاز أحياناً في الظلام السبخة وأحياناً أخرى الكثبان. وكانت السيارة تسير بكل ثقة وكل شيء كان على ما يرام شرط ألا نقود السيارة ببطء أو نتوقف لئلا تغرز بالرمال.
ورغم أنني وصلت في شهر أكتوبر، إلا أن الطقس كان لا يزال دافئاً ورطباً أما في الليل فكان الطقس جميلاً. وأوقفنا سياراتنا في موقف أمام بيت مكون من طابقين يشرف على الخور. واجهته مكونة من سلسلة من القناطر المغربية وله شرفة طويلة واسعة. وقد شرح لنا جاكو بأن البيت هو كل ما تملكه الشركة في دبي، وأن الغرفة الأخيرة كانت مكتبة، وكان يتبعه كراج. وذكر أيضاً أن حاكم دبي الشيخ سعيد بن مكتوم. كان ودوداً وذا استعداد دائم للمساعدة وكذلك كان جميع الشيوخ.
ولو توقفنا أمام الشرفة لكان باستطاعتنا أن نرى جزءاً كبيراً من المدينة على ضوء القمر الساطع. وبالقرب منا كانت هناك بيوت مؤلفة من طابقين كبيتنا. وعلى مسافة أبعد تجد مئات من الأكواخ البنية اللون والمبنية من سعف النخيل والتي كانت تسمى «البراستي» فمعظم دبي بنيت آنذاك بهذه الطريقة.
أما الخور والذي يبلغ عرضه حوالي المئتي ياردة فكانت المياه تتدفق فيه بسرعة مع المد القادم الذي يتعرج ويلتوي إلى اليسار ليعود ثانية إلى اليمين ثم يرجع مرة أخرى ليلتقي بالبحر بعد اصطدامه بحاجز رملي، وتعبر ضفتيه قوارب ذات مجاديف جيئة وذهاباً وهي تشبه بحركتها الزوارق الصينية الصغيرة في الشرق الأقصى.
وهذه المراكب هي وسيلة التنقل الاعتيادية المألوفة والطبيعية داخل المدينة. وتقع المدينتان التوأمان ديرة ودبي على جانبي الخور. وقد أخبرني البعض انه خلال الحروب كان القتال ينشب عبر المياه الضيقة ولكن هذه الأمور قد توقفت وهدأت بسيطرة وفضل الشيخ الكبير سعيد وابنه الشيخ راشد. وقد احتجت أياما قليلة لأتأقلم مع الجو الجديد قبل أن أبدأ التدقيق في الاستعدادات للحملة القادمة.
وعلى كل حال فقد أعد جاكو مسبقاً الأشياء اللازمة: مجموعة من معلبات اللحوم والخضار. وصفائح من البترول وأربع سيارات نقل خفيفة من طراز شيفرولية مع فريق من السائقين يترأسهم فرض الله بن خير الله وصابر بن محمد وهما سائقاً دك بيرد سابقاً.
ومما جعل الحياة في المشيخات سهلة ومريحة جداً، التعاون بين أهل هذه المشيخات. ولعل السبب الوحيد لإزعاجي كان عدم توفر مصدر دولي في أي من هذه المناطق للتخفيف عن فقر الناس فمستوى المعيشة كان منخفضاً ومع كل هذا كان الناس يبدون بمنتهى السعادة والمرح حيث لم يكن هناك مجال للحسد في أرض قلما وجد فيها أغنياء.
فالخدمات الصحية الحديثة لم تكن متوفرة خارج دبي في تلك الأيام، وحتى في دبي نفسها كانت ضئيلة، وكان الجميع يعيشون بنفس النمط. وكان الفقراء ضيوفاً دائمين على موائد الحاكم، اما الحكام أنفسهم فلم يكونوا أغنياء. وعلى الرغم من هذا فإنهم كانوا ينفقون القليل الذي لديهم على الضيافة والهبات لرعيتهم.
ومما كان يتبادر إلى ذهن المرء ماذا سيحصل لهؤلاء الناس إذا لم يتم اكتشاف النفط؟ فسبل معيشتهم التي تعتمد كلياً على صيد اللؤلؤ أصبحت مستحيلة، فلا بد من الحصول على النفط...مثل هذه الأفكار لم تكن لتفارق عقولنا.


