هناك في المكتبة العالمية كثير من المذكرات والمؤلفات عن منطقتنا العربية بعضها مطبوع وكثير منها لم ير النور بعد وبعضها طبع قديما ونفدت طبعته ولم يستخرج لها طبعة رقمية لكي تتاح للباحثين والبعض منها ذهب أدراج الرياح بعد موت أصحابها والحديث ذو شجون ولكني أقول الحمدلله أن هناك من الباحثين العرب ومن المستشرقين من لا يزال يخرج لنا شيئا فشيئا من هذه الكنوز ما يسر به خاطرنا ويشفي بعضا مما في صدورنا .
ومن هؤلاء الكاتب الفرنسي بيكلوك الذي تكلمت معه ولمست حرصه الشديد على تاريخ الامارات ويأتي كتابه الجميل ''الإمارات ساحل اللؤلؤ الأسطوري '' من الكتب الممتعة جدا وقد اخترت لكم هذه الصفحات من مذكرات '' فاسكو دي جاما''، يقول كزافيه بيكلوك :في عام 1498م طاف « فاسكو دي جاما » حول رأس الرجاء الصالح وبتوجهيات أحد المرشدين اكتشف الطريق السري لجزر الهند الشرقيه ـ « قلت : يقال أن هذا المرشد هو البحار المعروف أحمد بن ماجد ، وقد طعن كثير من المؤرخين في هذا وقالوا أن الذين ذكرهم ابن ماجد غير هؤلاء البرتغاليين . أما عن استخدام البرتغاليين للخرائط العربية فهذا صحيح حيث استخدموا خرائط الإدريسي وغيره من الجغرافيين العرب ، قوله : (اكتشف الطريق السري) غير صحيح لأنه لم يكن هذا الطريق سريا للبحارة العرب » .
بعد سيطرة البرتغاليين على المواقع الهامة على الساحل الشرقي لأفريقيا وساحل مالبار في الهند ، حاولوا أيضا السيطرة على البحر الأحمر والخليج العربي وفي عام 1507م أسلت البرتغال أسطولا بقيادة «الفنسو دي البوكوريك » الذي استولى على عدن وجزيرة سوقطرة ومن ثم هاجم قلهات وصحار وخور فكان التابعة لهرمز ثم تمكن من السيطرة على مملكة هرمز في آخر المطاف .
ولد الفونسو دي البوكويرك المعروف بلقب مارس (اله الحرب) البرتغالي، ونائب الملك لجزر الهند الشرقية في عام 1453 بالقرب من لشبونة من عائلة تمت بصلة القربى لملوك البرتغال. وقد تمكن من تأمين وبسط النفوذ البرتغالي في الهند. وأصبح معروفا من خلال اكتشافه لجزيرة زنجبار في عام 1503، واحتلال مسقط في عام 1507، وهرمز في 1508، وتم تعيينه كنائب للملك في عام 1509. . في عام 1514 أعاد احتلال هرمز في مدخل الخليج .
وأصبح قويا جدا حتى ان شعوب وحكام الشرق طلبوا منه الحصول على موافقة البرتغال للتحالف معهم وحمايتهم. وتوفي على اثر ذلك في 16 ديسمبر 1515 في ميناء جوا حينما كان على وشك العودة الى أوروبا . وقد كتب بليز ابن ألفنسو كتابا عن قصة حياة أبيه وقد ورد فيها هذا الموقف مع أحد شيوخ خورفكان :
من بين المسلمين الذين اعتقلوا هنا أخذ نونو فاردي كاستيلو برانكو أحدهم كان قد عثر عليه داخل منزل، والذي يبدو من كبر سنه انه لم يتمكن من الفرار ، كما أن مظهره ولبسه يدلان على انه رجل محترم ، ولذا فقد رغب نونو في انقاذه وحمله الى الفونسو دي البوكويرك ، حيث القى بنفسه أمام قدميه. وأمره الفونسو بالنهوض واستفسره عمن يكون؟
وأجاب المسلم بأنه أحد حكام المنطقة الثلاثة، وبسبب كبر سنه وعدم مقدرته على الحركة ، فقد تركه أبناؤه في العراء ولاذوا بالفرار. ولكي يتفادى غضب الجنود لم يخاطر بالبقاء في ذلك المكان وآثر العودة الى المنزل الذي عثر عليه الفارس فيه. واستفسره الفونسو عن الاحوال في هرمز فقدم له معلومات وافية عنها، كما سرد عليه الكثير من تاريخ المملكة حيث إنه كان شيخا هرما ويعرف الكثير من المعلومات . وأشاد بروح البرتغاليين قائلا بأنه لا يمكن حقيقة أن ينكر أنهم تمكنوا من احتلال العالم برمته .
وأضاف بأنه من خلال قراءته لسيرة الاسكندر الاكبر الذي احتل تلك البلاد اكتشف بأن جيش ذلك البطل لا يتفوق على البرتغاليين . وأصيب الفونسو بالدهشة حينما قال الرجل بأنه قرأ سيرة الاسكندر وسأله أين قرأها؟ ، حيث إنه نفسه كان كثير الاطلاع ويرغب في ان يحذو حذو الاسكندر. وأخرج الرجل كتابا من جيبه مكتوبا بالفارسية وملفوفا في مخمل قرمزي اللون وقدمه الى الفونسو، الذي قدره أكثر من أي شيء آخر يمكن ان يعطيه اياه ـ « قلت : سلاطين هرمز كانوا من العرب ولكن تأثروا بأهل فارس بطبيعة الحال وكان تعيش أجناس مختلفة تحت كنفهم وكانت صحار وقلهات وخورفكان وسكانها من العرب تبع لهذه المملكة .
وقد ذكرهم الرحالة ابن بطوطة عندما زار هرمز وذكر أن سلاطينها » ـ وقبل الفونسو الهدية كبشير فأل حسن مقدرا العزم والاصرار الذي تولّد لديه باحتلال هرمز ثم أمر الفونسو بتقديم رداء قرمزي اللون الى الرجل ، وبعض الاشياء البرتغالية الأخرى ألتي أدخلت السرور في نفسه ، علاوة على زن يجد نفسه حرا دون أن يلحق به أذى.
إن أور فاسو (خورفكان) مدينة كبرى من مملكة هرمز، وتحتوي على منازل جيدة، وهي قوية جدا على جانب الأرض ، ويعود ذلك لخوفها من تعرضها لهجوم بري وليس بحريا. وكان العديد من تجار غوجرات «الهندية» يقيمون هناك. وتقع المدينة على سفح جبل عال، وعلى الجانب الأرضي لديها سور قوي يصل حتى البحر. وهناك جزيرتان في داخل المرفأ تضفيان عليه منعة وتحصينا.
وفي الداخل هناك أراض وبيوت جيدة والعديد من أشجار البرتقال والليمون والحمضيات، والتين والنخيل وكافة أنواع الخضروات ، والعديد من البرك المائية تستخدم للري.
وفي الحقول يوجد الكثير من جذامة التبن ، كما في البرتغال ، اضافة الى العديد من حقول الذرة. وتوجد ايضا عدة سفن لصيد السمك والشبكات ، أحرقت جميعها. وفي المدينة هناك اسطبلات ضخمة للخيول، حيث يقوم هذا الميناء بتصدير الخيول الى الهند « كما هو الحال في مدينة قلهات » .
مناخ البلاد يتميز بالاعتدال والنسيم العليل. بعد اجتياز هذا الجبل الذي يطل على المنطقة. وتبدو للعيان المناطق الداخلية من البلاد وهي مكونة من مزارع وحقول ضخمة يجري استصلاحها للزراعة، وتخضع المناطق الداخلية لسلطة آل بن جبر شأنها شأن المناطق هنا. انتهى كلام« بليز».
قلت :''يظهر أن البرتغاليين قدموا إلى المنطقة في فصل الشتاء حيث النسيم العليل والجو المعتدل بالنسبة لأهل أوربا ، وقد تفضلوا باحراق سفن الفقراء المساكين الذين يعملون في البحر حتى يزيدوا في فقرهم فلا يستطيعوا مجابهة الغزاة ، وليضمنوا كذلك ضعف قوتهم البحرية.
وهكذا يأكل القوي الضعيف والمتحضر المتخلف ، والعجيب في الأمر أنهم يستخدمون في كل ما يصنعون أدوات عربية . إن تاريخ البرتغالين في المنطقة تاريخ مظلم كثير السوء سقوه بنهر من الدماء العربية ولنا وقفات في غير هذا المكان مع الغزو البرتغالي للمنطقة .''
هذه مذكرات قديمة لأحد الغزاة الكبار الذي أكثر في الأرض النهب والقتل وسأنتقل بكم إلى مذكرات حديثة كتبها ف. ش فيدال عن واحة الاحساء في أوائل الخمسينات من هذا القرن والتي اخترت لكم منها هذا الفصل عن الحرف والصناعات يقول:يأتي مباشرة بعد زراعة التمور شهرة الاحساء التي اكتسبتها عبر حقبة طويلة لحرفها وصناعاتها، وخاصة الصناعات المعدنية والمنسوجات. إن معظم البارزين من بين صناع المعادن في الاحساء هم صانعوا دلال القهوة. تصنع الدلال في ثلاثة أحجام رئيسية تؤدي الكبيرة منها في الغالب مهمة القهوة في أي وقت يحتاج فيه للقهوة .
تصنع هذه الدلة من النحاس الاصفر «الصفر» والنحاس مع وجود تصميمات ونقوش جميلة. ولها مثعب مميز وكذلك غطاء طويل جميل . تسمى هذه الدلة «خمرة» والحجم الثاني شبيه بالنوع الاول في الشكل ولكنه اصغر حجماً وتكون عادة أقل نحاسا وتسمى «اللقمة» وتستخدم لصنع القهوة .
والنوع الثالث من الدلال تكون أصغر في الحجم وتصنع من النحاس وتسمى «المنزل». تسكب القهوة في هذه الدلة بعد صنعها ومنها تقدم في فناجين لشاربيها. تحمل بعض الدلال من هذا النوع علامات مميزة لدلال الاحساء، الا أنها عموما تكون في أشكال مختلفة .
بينما تتوزع حوانيت صانعي الدلال في جميع أنحاء الهفوف. الا أن جل تركيزهم يكون قرب ميدان الحميدية. وتقع حوانيت باعة الذهب والفضة، وكذلك قلة من صاغة الذهب على جانبي شارع المفيريق، وفي حارتي الرفعة والنعاثل. الا أن صياغة المجوهرات لم تتدهور مثل ما حصل لصناعة الدلال.
فلا تزال تصنع في الاحساء كميات كبيرة من المجوهرات الذهبية والفضية، وخاصة الاسورة والخلاخيل وصناديق لحفظ التعويذة وجميعها من الفضة وكذلك سلاسل واسورة ذهبية وخزامات للانف. كما لا يزال صناع الاغمدة الذهبية والفضية للسيوف والخناجر نشيطون في مزاولة حرفتهم في الوقت الحاضر، الا أنهم مثل صناع الدلال إذ أن جل عملهم الحالي، على الاصح، يتمثل في إصلاح القطع القديمة وترميمها أكثر من تصنيع أشياء جديدة.
نعد صناعة النسيج اقتصاديا أكثر اهمية من تصنيع دلال القهوة. اذ تصنع العباءات في الهفوف منذ زمن طويل، ولكنها اشتهرت أخيراً. وتقع معظم محلات النسيج في حارة الرفعة خاصة الجزء الشمالي منها، رغم وجود محلات قليلة ايضا في جزء القرن من حارة النعاذل. وتصنع العباءات من وبر الابل او الصوف او كليهما، أما استخدام الحرير او القطن فيعد نادراً. يشترى الغزل من النساء البدويات او يستورد.
ويستورد كذلك من الهند الجدائل والخيوط الذهبية التي تستعمل في تزيين العباءات من أجل تطريز وزخرفة الطوق المحيط بالرقبة والاكتاف والاطراف المتدلية على الجانبين من الامام بحوالي عشرين بوصة. وتعمل كذلك القيطان الذهبية والكتل الكروية المعلقة على الجانبين من التوشيحة المزخرفة المحيطة بالرقبة.
تنقسم العباءات الى ثلاثة أصناف رئيسية، نوع خفيف يغلب على لونه اللون الاصفر بالبرتقالي ويستخدم أثناء الطقس الحار، ويسمى «بازولي» وهناك نوعان رئيسان من الصنف الثقيل يحكان بشكل مشدود ويكونان من لونين، بني ويسمى «لويان» واسود ويسمى «عباءة».
تتميز هذه العباءات بالعمل المتقن والتطريز الجميل الذي يتم نسجها في محلات صغيرة يعمل فيها ما بين نولين الى ستة أنوال في المحل الواحد. تعمل هذه الانوال بالطريقة اليدوية، وهي من الانوال الافقية بدون إطار وتتكون من خطين للنسيج تستوعب حداً قد يبلغ ثمانية مداوس وستة امكاك. توطأ المداوس الموضوعة داخل حفرة على الحافة التي يجلس عليها الحائك. تباع قطع القماش المنسوج الى الخياطين مباشرة في سوق القيصرية.
ويقوم الخياطون بقصها وخياطتها وتطريزها وبيعها. لم يصب التدهور صناعة النسيج في الاحساء بل هي في الواقع حصلت على تشجيع كبير من الاسرة المالكة وافراد الطبقة الحكومية وكذلك من المجموعة الاجتماعية البارزة التي استمرت في تفضيل منسوجات صناعة الاحساء على غيرها وكانت النتيجة الحتمية زيادة الانتاج الذي نتج عنه تركيز على انتاج كمية معينة من المنسوجات.
وفيما مضى كان معظم صناعة النسيج يديرون محلا واحداً فقط، اما اليوم فهناك قلة من الاشخاص يديرون عدة محلات، قد يبلغ مجموع انوالها عشرين او ثلاثين نولا او اكثر. ومن بين البارزين في هذا المجال: سليمان بالغنيم والذي ربما عد اكبر مالك لصناعة النسيج في الاحساء، ومحمد بو علي وكذلك حفيدة عبدالحميد وهم يعدون افضل صناع لانواع متعددة من العباءات السوداء المتقنة التي تستعملها الاسرة المالكة.
تتركز صناعة الاقمشة في القيصرية في الهفوف والمبرز. اما غطاء الرأس «الكوفة، الطاقية» فتعمل من قبل نساء القرى وخاصة في المستوطنات البدوية ومعظم اغطية الرأس (الطاقية) المحاكة تعمل في قرية العيون.
يتم اقتلاح الحجارة ويصنع الجير في كل مكان في الواحة وخاصة حول مدينتي الهفوف والمبرز وكذلك على طول الاطراف الجنوبية للقرى الشرقية. ويصنع اللبن من الطين المخلوط بالتبن، ويجفف تحت اشعة الشمس في كافة انحاء الواحة رغم محدودية كمياته. أما أعمال الحجارة الصلبة فانه لم يعد امراً نادراً وينحصر معظمه في صناعة الرحى الصغيرة للاستخدام المنزلي.
وتكون الرحى من أحجار مصقولة على شكل اقراص تدار باليد تسكب الحبوب في الفتحة التي تقع في وسطها اثناء دوران الرحى والرحى لا تطحن فقط بل إنها أيضا تدفع بالدقيق إلى المحيط الخارجي لها، فيتجمع الدقيق المطحون في حلقة منخفضة حولها، وعندها يدفع المسحوق من خلال فتحة أخرى إلى إناء معد . وتقوم النساء بعمليات الطحن تلك.أما صناعة الفخار فانه عمل لا يزاوله الا الرجال في الاحساء، وباستثناء قرية القارة فمعظم صناعة الفخار تتركز حول الهفوف والمبرز .
