صفحة اسبوعية متخصصة في تاريخ الجزيرة العربيةوأدبها
راكان بن حثلين شيخ قبيلة العجمان وشاعرها الكبيرالكلام عن كبار الأعلام وتتبع سيرة حياتهم وقصصهم من الأمور المحببة لكثير من الناس ففيها المواعظ والحكم والإثارة والدعوة إلى مكارم الأخلاق أو التحذير من الوقوع في الأخطاء التي قد يكونوا وقعوا بها وعادة ما يلتزم الباحثون الغربيون ذكر محاسن ومساويء هؤلاء الأعلام وقد يقومون بجرحه أشد الجرح وقد تجد هذا الأمر نفسه عند علماء الجرح والتعديل من المسلمين وقد يقول قائل : أراك تذكر محاسن الرجال ولا تذكر شيئا من أخطائهم فأرد عليهم بالأثر القديم : أذكروا محاسن موتاكم .
فيقول : ولماذا لا تذكر المساويء ليتعظ الناس وليعلموا أنه ليس من كامل في هذه الحياة ؟ فأرد عليه مبتسما : هذا من المعلوم ضرورة وصفحتي هذه صغيرة لا تصلح لما تريده وإن صلحت ليس هذا من أسلوبي ولا أطيقه وإنما أذكر مآثر الرجال ليقتدي بهم الناس وما كان غير ذلك فالله هو الغفور الرحيم . ولم أزل منذ صغري معجبا بشخصية لها دور كبير في تغيير مجريات الأحداث في الجزيرة العربية وكان يجمع بين العراقة والفروسية والشاعرية الفذة والقصص الأسطورية في آن واحد ، وأذكر أن امرأة كانت قد أخذت زينتها كاملة فقالت لها أخرى مالك يا فلانة كأن ابن حثلين سيأتي لخطبتك ، فبقي هذا الاسم في ذاكرتي وكنت يومها صغيرا جدا لا أعرف المذكور واليوم قد جمعت عنه كثيرا من الأخبار والسير سوف أعرضها على القراء الكرام فيما يأتي من الحلقات .
وهذا موجز لسيرته :
هو راكان بن فلاح بن مانع بن حثلين ولد سنة (1230 هـ 1814م) ويرجع نسبة إلى معيض من العجمان وهو شيخ العجمان وابن شيخها وفارسهم وشاعرهم تولى زعامة قبيلة العجمان سنة (1276 هـ ـ 1859م) بعد تنازل عمه حزام عنها ودخل في معارك كثيرة منها معركة الطبعة سنة (1277 هـ ـ 1860م) ومعركة المعتلي سنة (1283هـ ـ 1866م) واشتهر فيها بالشجاعة والفروسية وقد زاد من شهرته قتاله مع الاتراك الذي انتهى بأسره وسجنه في بلغاريا وبقي سجينا مدة (8) سنوات تقريبا وقد أخرج من السجن بعد أن شارك العثمانيين في قتال الصرب سنة (1294 هـ ـ 1877م) وقد أظهر فيها براعة حتى قيلت فيها الأساطير وكان أسره عند سقوط الأحساء سنة ( 1288هـ ـ 1871م) في يد الأتراك العثمانيين.
وقد توفي راكان سنة (1310 هـ ـ 1892م) وكان مضرب الأمثال في الشجاعة والفروسية حتى أنه يقال للشجاع الفارس هذا كراكان بن حثلين . وشعر راكان موصوف بالجزالة وحسن المعاني واختيار الألفاظ وقد ذاع صيت أشعاره بعد سجنه حيث تعد هذه القصائد من أجمل شعره كما عدت قصائد أبي فراس الحمداني التي قالها في سجنه من روائع الأشعار والتي سميت بعد ذلك الروميات نسبة إلى سجن الروم . ومن هذه القصائد قوله:
أخيل يا حمزة سنا نوض بارق
يفري من الظلما حناديس سودها
على ديرتي رفرف لها مرهش النشا
وتقفاه من دهم السحايب حشودها
إلى آخر القصيدة، وقد أخبرني الشيخ عبد الرحمن بن علي آل مبارك رحمه الله بأنه أنشد هذه القصيدة للشيخ سعيد بن مكتوم رحمه الله فقال أحد المناصير للشيخ سعيد « يا طويل العمر هذه القصيدة يصح بها الصلاة» لاعجابه بجمالها وسحر ألفاظها . وله قصيدته التي قالها بعد عودته من المنفى عندما وجد زوجته قد تزوجت بعده لأنه كان في حكم المفقود فقال:
يا فاطري خبي طوارف طميّه
إلى زما لك لون خشم الحصانِ
خبي خبيب الذيب في جرهديّه
لا طالع الزيلان والليل داني
إلى أن قال:
نبغي ندوّر طفلةٍ عسوجيّه
ريحة نسمها كالزباد العماني
لي صاحبٍ ما نيتي عنه نيّه
وأثره قضى له حاجةٍ ما تناني
ولم يرد أن يتزوجها بعد أن أخذت غيره وقال :
الصدق يظهر من حباله رديّه
والكذب يقطع من حباله متاني
روحي وانا راكان زبن الونيه
ما يشرب العقبان بعد الهداني
ومن أراد الاستزادة من أخباره فعليه بكتاب أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري ، وحسبك به مؤلفا .

