عندما تُذكر الكرة الهولندية تقفز إلى الذاكرة صورة الكرة الشاملة التي ابتدعها المدرب رينوس ميشلز في بداية السبعينات. والمعروف أن فلسفة الكرة الشاملة تعتمد على عدم تقييد اللاعبين بمراكز محددة أثناء المباراة، حيث يتم تبادل المراكز بينهم بشكل مستمر، ما يجعل المهمة صعبة على الفرق الأخرى في تخمين أداء أي لاعب وتخمين مركزه. وهذا الأمر يتطلب من اللاعب لياقة بدنية عالية وقدرة فائقة على تنفيذ خطط المدرب في الميدان.
لكل بلد خصوصيته وتجاربه في الحياة، والرياضة لا تبتعد كثيراً عن هذا المفهوم، فعلى الرغم من أن قوانينها تُطبق على الجميع، إلا أن طرق التكوين تختلف بين بلد وآخر، وخاصة في لعبة كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم. في هولندا، المعروفة باهتمامها بالمستديرة، والمشهورة بالكرة الشاملة، كما أسلفنا، تتركز الأنظار على البراعم، ويبدأ البحث عن المواهب في الفئات العمرية، لأن هذه الأعمار هي التي تؤسس لمستقبل كروي باهر عنوانه الإبداع والإنجاز.من هنا، فإن العمل مع الفئات العمرية الصغيرة يحتاج إلى متخصصين يستطيعون تحريك هذه المواهب في الاتجاه الصحيح من خلال العديد من الوسائل والنظريات والتدريبات. في هذا الموضوع نتحدث عن واحدة من التجارب الهولندية في مجال تنمية قدرات البراعم وتطوير مواهبهم.
ولتسليط المزيد من الضوء على هذا الموضوع التقينا المدرب الهولندي محمد عباس الجبوري (من أصل عراقي) الذي يعمل مع هذه الفئات في نادي DVV Duiven الذي تأسس عام 1945.* كيف تصف لنا التعامل مع الفئات العمرية في ناديك؟ـ التعامل مع النشء الصغير موضوع غاية في الأهمية، لذا لا تمنح مسؤولية تدريب هذه الفئات إلا للمتخصصين الذين يحملون شهادات وخبرات، لأن هذه الفئات هي التي تساهم بالإحلال عند اعتزال الكبار، وبالتالي هي الثروة الحقيقية للبلاد في كرة القدم.
* كيف تصف لنا ساعات التدريب؟ـ في هولندا تكون الاستفادة كبيرة من التدريبات، وفيها يتم التركيز على تطوير الحالة الدفاعية كفريق كامل، وكذلك الهجومية كفريق كامل، وتمنح أيضاً حرية للاعب وعليه التزام أيضاً في أداء واجبات محددة في أماكن وأوقات أخرى.* أنت تشرف على فئات من 11 ـ 12 سنة.. ما الذي تركزون عليه في العمل مع هذه الفئات؟ـ نركز على التكتيك، وهنا يتم تحديد مسؤوليات اللاعبين الصغار، وعلى المدرب أن يكتشف المشكلات ويجد لها الحلول.
* هل يتدخل الاتحاد الملكي الهولندي لكرة القدم في خطط وبرامج الأندية التدريبية؟
ـ الاتحاد يفكر ويخطط ويعمل لتحقيق نتائج كبيرة في المحافل الكروية الأوروبية والعالمية، ويسعى لمسايرة البلدان التي تحقق إنجازات كبيرة في كأس العالم، لذا يرى الاتحاد الهولندي أن الطريق إلى هذه الإنجازات يبدأ من الفئات العمرية وتهيئة قاعدة غنية وصلبة، ولأن هذا الأمر لا يمكن تحقيقه من دون مدربين أكفاء، لذا تم التشديد على اختيار المدربين الجيدين وفتح دورات تدريبية مكثفة «نظرياً وعملياً» وكذلك التشدد في الامتحان، لذا ليس كل من يدخل دورة ينجح.
* وماذا عن الدورات التدريبية أيضاً؟
ـ هناك مرحلة في الدورة تكمن في تحليل المباريات، ويناقشك أحد الخبراء وأنت تشرح المباراة والمشاكل التي اكتشفتها وأسباب الفوز والخسارة وغيرها.
* كيف ترون تعامل العائلة الهولندية مع قراراتكم الخاصة بالبراعم والفئات العمرية الصغيرة؟
ـ العائلة الهولندية تتمتع بثقافة جيدة، خاصة في مسألة التغذية، لذا يعد هذا الأمر من أهم العوامل التي تساعد على التنشئة الصحيحة، والعائلة مسؤولة عن نوم الطفل وغذائه وملابسه، وتقوم بتهيئته قبل المباراة بساعة، ونحن في حالة تفاهم دائم مع عائلات الأطفال، وهذه العائلات تتابع أطفالها بشكل متواصل.
* هل هناك ثقة كبيرة من قِبل العائلة بالمشروع الذي تقدمونه لطفلها؟
ـ الثقة كبيرة بين العائلة والنادي، وهذه من أهم النقاط الحيوية التي تحفِّز الطفل على التمرين وتزيد رغبته في الإبداع وتحقيق النجاحات.
* ما أبرز أنواع التدريبات التي تقدمونها لهذه الفئة العمرية؟
ـ التدريبات متنوعة وكثيرة، ولكن هناك تركيزا على القوة والسرعة والتعامل مع الكرة.
* وماذا عن الثقافة الكروية؟
ـ الأطفال يدرسون قانون الكرة لأن هذا شيء مهم في حياة الصغير حتى يتعوّد عليه ويطبقه بيسر في المباريات.
* ما أبرز عمل تجده في المدرسة الهولندية في التدريب؟
ـ أهم شيء حل المشاكل أولاً بأول ومن دون تأخير، وهناك اجتماعات دورية مع المسؤول عن الجهاز الفني لهذا الغرض، وكذلك للتعرف إلى المتميزين.
* ماذا عن العمل التطوّعي؟
ـ هذا جانب حيوي والناس هنا يقدمون الدعم والمساعدات، وعلى سبيل المثال إقامة سوق للمبيعات للتبرع بإقامة جولات للفريق من أجل زيادة العلاقة بين الصغار، في حين يقوم الآباء والأمهات بنقل اللاعبين الصغار في سياراتهم عندما تكون هناك مباراة في قرية أخرى.
* وماذا عن العلاقة مع المدرسة؟
ـ أندية الدرجة الممتازة لديها اتفاقات مع المدارس حول جداول التدريس وعلى ضوء ذلك تحدد التدريبات والمباريات، ولدينا الطالب يعرف برنامجه الدراسي لمدة سنة، لذا يضع النادي خططه حسب هذا البرنامج.
* ماذا عن الملاعب؟
ـ الملاعب متوافرة وتساعد على تحفيز اللاعبين الصغار على الأداء بمتعة، ويقوم المشرفون دائماً بفحص أرضية الملاعب للتأكد من صلاحيتها وسلامتها.
* ما جديد فئة 11 ـ 12 سنة في نادي DVV؟
ـ لدينا اثنان من اللاعبين استُدعيا لتمثيل المنتخب الهولندي القسم الشرقي، بعد أن جاء أكثر من كشاف وتابعوهما في التدريبات وسألوا عن سلوكهما وعن جرأتهما وشجاعتهما، ومن ثم جاء أهلهم وهنأوني، واللاعبان هما Jaimy Toonen Dekkers وLex Kersten وهذا الاختيار يُعتبر أول خطوة على طريق المستقبل.
* عمّ يبحث الكشافون في اللاعب الصغير؟
ـ ينظرون إلى حركته وتعامله مع الكرة، وكما قلت قدرته على اتخاذ القرار الصحيح وشجاعته في الميدان، إضافة إلى الأمور الأساسية الأخرى.
* ماذا عن دوري الفئات العمرية؟
ـ يبدأ الموسم شهر أغسطس من كل سنة وينتهي في شهر مايو على مرحلتين وكل مجموعة تضم 12 فريقاً، وما يشجع الأطفال كثرة الملاعب وحضور الجماهير.
* ماذا اكتسبت من تجربتك في هولندا؟
ـ تعلمت أهم شيء في عالم التدريب، أن يكون المدرب قريباً من اللاعبين.
* كيف تعالج الخطأ؟
ـ عندما يخطئ اللاعب لا تنقص من قيمته، حتى لا تزحزح الثقة في نفسه، لأن الجانب النفسي مهم، وقبل المباراة تولي هذا الأمر أهمية قصوى، لذا عندما نرى لاعباً عصبياً أو متوتراً نجلسه دكة الاحتياط حتى لا يؤثر على الفريق.
* هل ينتاب الصغار الملل من تكرار التمرينات؟
ـ نحن نعمل على تكرار التمرينات مع وجود بعض التغيير من أجل الإمتاع وإبعاد الملل.
* كيف تصف عمل الإداري في الفريق؟
ـ عمله ضروري وواجباته مهمة، لكن بالتأكيد لا يتدخل أبداً في عمل المدرب، وهذه قاعدة لا يمكن الخروج عن نصوصها.
* هل من كلمة أخيرة؟
ـ أتمنى أن تستفيد الأندية العربية من التجارب الناجحة في العالم، وخاصة في مجال تدريب الصغار وتطوير مواهبهم، وأن تعمل الاتحادات الأهلية في الوطن العربي على نشر الثقافة الكروية بين الأسر وأن تقوِّي علاقاتها مع المدارس والعائلات وأن تجد له خصوصية في العمل. وفي اعتقادي إن نتائج الفوز والخسارة ليست مهمة في المراحل السنية بقدر أهمية اكتشاف المواهب وتطويرها، والحرص على تواصلها في هذا المجال، مع توفير البيئة المناسبة لهذا العمل.
التاريخ والشهرة
ارتبطت هولندا تاريخياً بإسبانيا، حيث كانت ضمن 17 إقليماً أوروبياً واقعاً تحت سيطرة الامبراطورية الإسبانية في عهد الملك كارلوس الخامس إلى جانب كل من بلجيكا والليكسمبورغ وبعض أراضي فرنسا وألمانيا وأقاليم أخرى، وحصلت على استغلالها سنة 1648، واشتهرت هذه الدولة الصغيرة كقوة اقتصادية وتجارية مستفيدة من ميناء أمستردام الشهير الذي لعب دوراً تاريخياً في التبادلات التجارية بين جنوب أوروبا وشمالها.
وعلى المستوى الكروي، ورغم صغر حجمها إلا أن هذا البلد صنع اسماً كروياً عالمياً، فمنذ تأسيس الاتحاد سنة 1889 وهولندا لها حضور دائم في جميع التظاهرات الكروية القارية والعالمية، وكل هذا يرجع إلى الاهتمام اللامحدود بالفئات العمرية الصغيرة والاهتمام الكبير بمشروع كرة القدم.



