مررت في الصيف الماضي على معالي الأديب الأستاذ أحمد بن خليفة السويدي في مجلسه العامر في مدينة العين وفيه جمع من الناس شعراء وأدباء وغيرهم ورأيت رجالاً من البدو من عمان وبينهم صبي صغير يجلس جلستهم ويتكلم بطلاقة فقلت لمعاليه من هؤلاء قال هؤلاء من قبيلة الوهيبة القبيلة العمانية المشهورة وهم من أحفاد المرأة التي تزوجها الشيخ زايد الأول بن خليفة آل نهيان .
فقمت وجلست عند أكبرهم سناً وسألته عن قصة زواج الشيخ زايد الأول بجدتهم فقال: كان الشيخ زايد في رحلة إلى عمان والتقى بزعيم من زعماء قبيلة الوهيبة وأعجب بهم وبشجاعتهم وخطب ابنته فزوجه وقدم بها إلى قصر الحصن وكان معها إخوتها وبقيت عنده مدة من الزمن ولكن البدوية المرأة تبقى على عهد الوفاء مع البادية فسئمت حياة الحضر وقالت أبياتاً فيها كثير من الحنين إلى أهلها ، قالت:
يا زايد بن خليفه
رخصه قلّي مباحْ
شاموا حمد وإخوانه
على ابكرات لقاحْ
شاموا وانا خلوني
طيرٍ كسير جناحْ
فما كان من الشيخ زايد بعد أن سمع هذه الأبيات إلا أن أشفق عليها و قال استعودين إلى أهلك مكرمة ومعززة وترك معها الذهب الذي أهداه لها مهراً لها وقد ذكر لي هذا الشيخ الوهيبي أنهم مازالوا يحتفظون ببعض من هذا الذهب إلى اليوم ذكرى طيبة من الشيخ زايد لهم.
وأنا استمع إليه تذكرت قصة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عندما تزوج البدوية ، يقول الدميري:
ولما اتصلت ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد بن معاوية بمعاوية، وكانت ذات جمال باهر، وحسن غامر، أعجب بها معاوية رضي الله تعالى عنه، وهيأ لها قصراً مشرفاً على الغوطة، وزينه بأنواع الزخارف، ووضع فيه من أواني الفضة والذهب ما يضاهيه، ونقل إليه من الديباج الرومي الملون والموشى ما هو لائق به، ثم أسكنها، مع وصائف لها، كأمثال الحور العين، فلبست يوماً أفخر ثيابها، وتزينت وتطيبت بما أعد لها، من الحلي والجوهر، الذي لا يوجد مثله، ثم جلست في روشنها، وحولها الوصائف، فنظرت إلى الغوطة وأشجارها، وسمعت تجاوب الطير في أوكارها، وشمت نسيم الأزهار وروائح الرياحين والنوار، فتذكرت نجداً، وحنت إلى أترابها وأناسها، وتذكرت مسقط رأسها، فبكت وتنهدت فقالت لها بعض حظاياها: ما يبكيك وأنت في ملك يضاهي ملك بلقيس؟ فتنفست الصعداء، ثم أنشدت:
لبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيهِ
أحبُّ إليّ من قصرٍ منيفِ
ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني
أحبُّ إليّ من لبسِ الشفوفِ
وأكلُ كُسيرةٍ في كسر بيتي
أحبُّ إليّ من أكلِ الرغيفِ
وأصوات الرياح بكل فجٍ
أحبُّ إليّ من نقر الدفوفِ
وكلبٌ ينبحُ الطراق دوني
أحبُّ إليّ من قطٍّ ألوفِ
فلما دخل معاوية، عرّفته الحظية بما قالت، وقيل: إنه سمعها، وهي تنشد ذلك، فقال: فطلقها وقال:
مروها فلتأخذ جميع ما في القصر، فهو لها ثم سيّرها إلى أهلها بنجد. وكانت حاملاً بيزيد فولدته بالبادية، وأرضعته سنتين ثم أخذه معاوية رضي الله تعالى عنه منها بعد ذلك.
