لم ينل هدف في لعبة كرة القدم من الشهرة وذيوع الصيت، كما نال (المبكر)، الهدف الذي يأتي في الدقيقة الأولى أو الثانية من زمن المباريات في مستطيلات المجنونة! نعم، في كرة القدم أهداف شتى وبأسماء عدة، هدف من زاوية، ركلة جزاء، كرة ثابتة، قذيفة صاروخية، انفراد، من داخل منطقة الـ 18 ياردة، من مسافة 25 أو 35 أو 40 م الخ......

ولكن أي من تلكم الأهداف لم يحصل على أكثر من (توصيفه) الذي عرف به منذ البداية وما زال، إلا الهدف المبكر، قالوا فيه ما لم يقله الأميركي الشهير (كيسنجر) في السياسة الخارجية ! آخر الاستعارات التي ألقيت على (المبكر)، هو انه هدف (الصدمة والرعب)، تلك التسمية التي ظهرت إلى ساحة التداول العلني في العام 1996 من القرن الماضي ولكن في ميدان السياسة، عندما أطلقت أميركا على استراتيجيتها (الكونية) في المجال العسكري تعبير (الصدمة والرعب) أي وباختصار شديد، (السيطرة السريعة) على (العدو)!.

رد الجميل : وكما الرياضة وتحديدا كرة القدم، قد (منحت) السياسيين حلولا ناجعة لمشاكل مستعصية على طاولاتهم، فان السياسة وبدافع (رد الجميل)، قدمت (الصدمة والرعب) إلى الميدان الرياضي وبالتحديد إلى المستطيلات الخضراء، التسمية التي (حصرها) أهل الرياضة بالهدف المبكر الذي ما زال حتى اللحظة هو للصدمة والرعب معا إلى أن يستجد جديد في عالم المستديرة !!

ولكن، هل (المبكر) هو فعلا، هدف يؤدي إلى الصدمة والرعب، أين مكمن الرعب في الهدف المبكر وأين مصدر الصدمة فيه ولماذا لا نعتبره هدفا كأشقائه أو أقرانه في لعبة (الجنون)، مجرد هدف في مباراة بين فريقين ؟! وطالما أن كرة القدم هي نشاط إنساني بالدرجة الأساس، فان لكل نشاط مقدمات ونتائج ومن نتائج الهدف المبكر الذي يسجله فريق في شباك فريق آخر، هو السيطرة السريعة للفريق الذي ينجح بالتسجيل المبكر على مجريات المباراة وبالتالي على خصمه خلال الـ 90 دقيقة المحددة زمنا رسميا للمباراة في كرة القدم.

اللعبة انتهت

ويمكن القول أن خلاصة أو مبتغى صاحب هدف «الصدمة والرعب» في كرة القدم، هو (ضرب) دفاع الخصم بأقصى سرعة وأخذه على حين غرة بهدف إرباكه وإثارة القلق في صفوفه وبالتالي إيصاله إلى مستوى عدم الاتزان وفقدان التركيز وإيجاد حالة الشعور باليأس والاستسلام وصولا إلى الغاية الأهم وهي تحقيق النصر ومن أول دقيقة! ولكن هل الهدف المبكر (الصدمة والرعب) هو دائما يقود صاحبه إلى النصر المبكر؟

المعطيات الكثيرة أو على الأقل تلكم التي افرزها يوم الـ 26 مارس الجاري، حيث ظهر الهدف المبكر في القارة الآسيوية التي عاشته 3 مرات عبر الجولة الثانية للمرحلة الثالثة للتصفيات المؤهلة لمونديال 2010 بجنوب إفريقيا، أثبتت أن هدف (الصدمة والرعب) ليس للنصر المبكر فحسب، بل هو أيضا للهزيمة المؤجلة، منتخبان من المنتخبات الثلاثة أفلحا في تسجيل هدف مبكر في شباك الآخر في جولة الأربعاء الماضي، لم يقدهما هدف (الصدمة والرعب) إلى النصر المبكر، بل على العكس.

كان هدف (الصدمة والرعب) مقدمة لهزيمة مؤجلة كما حدث لسوريا أمام الإمارات وإيران مع الكويت، والسبب هو أن للهدف المبكر آثارا نفسية خطيرة ليس على الفريق الذي تتلقى شباكه ذلك الهدف فحسب، بل أيضا على الفريق الذي يفلح بتسجيله حيث يكون مردوده سلبيا جداً على صاحبه في حالة التراخي والاطمئنان إلى أن المهمة قد تم انجازها أو أن (اللعبة قد انتهت)!

عودة سريعة

وعودة سريعة لمجريات مباريات الإمارات ـ سوريا، والكويت ـ إيران، وقطر ـ العراق، تعطينا الدليل الدامغ على أن هدف (الصدمة والرعب) بقدر ما هو بوابة للنصر المبكر، فانه وفي ذات الوقت باب واسع للهزيمة التي تكون إحدى بداياتها، تسجيل هدف مبكر سرعان ما ينقلب إلى (صدمة ورعب) على صاحبه!!

أربكنا .. بدد أحلامنا .. قضى علينا !

في المباريات التي تشهد هدفا مبكرا أو (صدمة ورعب)، غالبا ما يعلق مدربو الفرق أو المنتخبات الخاسرة بفعل ذلك الهدف، الهزيمة على شماعة ذلك الهدف حيث يبرر كل مدرب الهزيمة بحالة (الصدمة) التي أصابت فريقه وبـ (الرعب) الذي اجتاح صفوف لاعبيه نتيجة للهدف المبكر ! ومن أكثر العبارات (الجاهزة) التي كثيرا ما نسمعها من أؤلئك المدربين هي، الهدف المبكر أربكنا، الهدف المبكر بدد أحلامنا، الهدف البكر قضى علينا وأخيرا، أسوء سيناريو!

فجر إبراهيم مدرب المنتخب السوري، صار بعد مباراته مع منتخب الإمارات على صفيح ساخن بسبب الهدف المبكر وعدم قدرة فريقه على استغلاله بالشكل المطلوب! علي دائي مدرب المنتخب الإيراني، هو الآخر بات على صفيح أكثر سخونة لسببين، الأول أن لاعبيه نجحوا أمام المنتخب الكويتي بتسجيل هدف مبكر وآخر (اخو المبكر في الدقيقة الرابعة)، أما السبب الثاني فيتلخص في أن أحلام الإيرانيين بات مهددة بعد تعادلين في مجموعتهم الخامسة التي يتزعمها الأبيض الإماراتي الذي عرف كيفية إحباط (صدمة شعبو) في ملعب العباسيين!

أما عدنان حمد مدرب المنتخب العراقي، فقد جاء كلامه كفعل لاعبيه داخل الملعب، الهدف القطري المبكر ترك آثاراً سلبية على الروح المعنوية للاعبي منتخب العراق، لقد كانت بداية المباراة ، أسوأ سيناريو يمكن أن يتخيله مدرب لفريقه !

«صدمة ورعب» في بلاد الأندلس أيضاً

في اسبانيا بلاد الأندلس، أيضا هناك (صدمة ورعب)، الفريق الملكي ـ ريال مدريد أو (الريال) اختصارا، غالبا ما يتربص بغريمه التقليدي ـ برشلونة أو إيجازا ـ البرسا! في لقاءات القطبين العالميين الكبيرين، غالبا ما يطلق على أهداف مبارياتهما بـ (الصدمة والرعب) وهي بالمناسبة، لا تقتصر على الأهداف التي تسجل في أي من المرميين بصورة مبكرة، بل في أي وقت من زمن المباراة، وهذا من خصوصيات القمة الاسبانية التي لا يترقبها سكان بلاد الأندلس فقط، بل كل العالم!

الأبيض الإماراتي أحبطه في سوريا

قبل أن تنقضي الدقيقة الأولى، فاجأ زياد شعبو لاعبي الأبيض الإماراتي بتسجيله هدفاً مبكراً لمنتخب بلاده سوريا الأربعاء الماضي في ملعب العباسيين بدمشق في الجولة الثانية للمجموعة الخامسة للتصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم 2010 بجنوب إفريقيا.

ولأنه مبكر، فان هدف شعبو من النوع الذي يطلق عليه، هدف (الصدمة والرعب)، معظم دقائق الشوط الأول ونجوم منتخب الإمارات يعيشون تحت وطأة ذلك الهدف المبكر قبل أن يعودوا وبصورة تدريجية متصاعدة إلى أجواء المباراة ويظهروا بصورة كادت أن تقلب (السحر على الساحر) في الشوط الثاني الذي شهد هدف التعادل للأبيض. وفيما نجوم الإمارات ينجحون بإحباط (صدمة ورعب شعبو)، كاد المنتخب السوري أن يدفع الثمن غاليا نتيجة الاطمئنان والحسابات الخاطئة!!

الأخضر العراقي فشل باحتوائه أمام القطري

الأخضر العراقي هو الوحيد الذي (شذ) عن المنتخبات الثلاثة التي (استهدفها) الهدف المبكر بقصد (الصدمة والرعب) وذلك عندما فشل باحتواء (صدمة ورعب) نظيره القطري الذي نجح لاعبه سبستيان سوريا بـ (صدم) العراقيين و (إرعاب) أسودهم بهدف مبكر في الدقيقة الأولى، هدف كان كفيل بان يكون مقدمة حقيقية لنصر قطري بانت تباشيره ليس مع الهدف المبكر فحسب.

بل مع الدقائق التي تلت ذلك الهدف خصوصا عندما (رفع) اسود الرافدين الراية البيضاء مبكرا حيث اتسم أداؤهم بارتباك وعدم تركيز وقلق واضح استغله القطريون أفضل استغلال بهدف ثان كان هو عنوانا للنصر النهائي وليس للهزيمة المؤجلة التي كادت تلحق بالسوريين والإيرانيين على يد الإماراتيين والكويتيين الأربعاء الماضي!!

الأزرق الكويتي بدده مع الإيراني

تماماً كما فعل شقيقه الإماراتي في مجموعتهما الخامسة، بدد الأزرق الكويتي (صدمة ورعب) الهدف الإيراني المبكر بالشباك الزرقاء، الإيراني علي رضا واحدي يسجل هدفاً مبكراً في المرمى الكويتي يتبعه مواطنه سيد جلال حسيني بآخر في الدقيقة الرابعة حتى ظن الكثيرون إن أحلام الكويت بالتعديل باتت صعبة جدا.

ولكن لاعبي المنتخب الإيراني وقعوا في المحظور، الاطمئنان والاعتقاد الخاطئ بان (اللعبة انتهت)، فأعاد احمد عجب الأمل للأزرق الكويتي بهدف جاء بعد انقضاء 38 دقيقة من زمن الشوط الأول ثم يفلح زميله فهد عايض الراشدي بمعادلة الكفة بتسجيله الهدف الثاني للكويت قبل أن تلفظ المباراة أنفاسها بسبع دقائق وسط دهشة لاعبي إيران ومدربهم (الكاريزما) علي دائي غير مصدقين أن (الرعب والصدمة) اللذين أرادوا إلحاقهما بالكويتيين، ذهبا أدراج الرياح!!

علي شدهان