واليوم مع شاردة أخرى من أرض البحرين العزيزة تحكي قصةآل خليفة مع ابراهيم بن عفيصان ومساعده رحمه بن جابر الجلاهمة أحد فرسان العرب المشهورين في سنة 1225هـ .
لما تمكن الخليفيون من استراد البحرين من يد رحمه وابن عفيصان أراد آل خليفة الثأر منهما فتوجهوا باسطول من السفن الشراعية وكان رحمه قد تأهب لمحاربة آل خليفة ، وعند الليل أرسى الخليفيون سفنهم أمام الخوير موضع على ساحل قطر يقيم فيه ابن عفيصان والجلاهمة.
فلما رأى رحمه ضوء السفن قال إن تعبية السفن تنبيء عن وجود الشيخ عبدالله بن أحمد الفاتح فقال ابن عفيصان : إن ما تقوله بعيد لأن الشيخ عند آل سعود ، ثم أمر الجلاهمة بزورق ووضع عليه سراج وأمره بالوقوف خلف السفن ، وما إن رأى الشيخ عبدالله الزورق أمر سفنه أن تقلع وتقف وراء ذلك الضوء دفعا لأي هجوم متوقع ، فلما رأى الجلاهمة ذلك تيقن أن الشيخ عبدالله على رأس هذه السفن لأنه يعرف أن الشيخ قائد خبير .
وبعد هذه الحادثة أرسل سفنه بقيادة سفينته «المنوار» بالخروج الى عرض البحر لرد غارات الخليفيين ، وعند الصباح قال رحمه لإبن عفيصان : إني أرى أنه من الحزم أن لا نتقابل مع الخليفيين لأنهم أكثر منا عددا ، فغاظ ذلك ابن عفيصان وظنه جبنا من الجلاهمة . وأمر رجلا من قومه بأن يحورب بهذا البيت :
لا خيرْ في رجْلٍ يجر جريره
وإذا تضايقْ دربها خلاّها
فغضب رحمه واعتزى وقال : لا بالله ما يخليها ، وأمر برفع الشراع وبرزا للقتال حتى اشتبكت السفن ببعضها وانتهت المعركة بمقتل الشيخ راشد بن عبدالله وهزيمة رحمه وابن عفيصان وفرارهما بعد احتراق سفينتهما على لوح من خشب وقد أصيب رحمه في يده بإصابات شديدة ، وبينا هما عائمين قال رحمه لأبن عفيصان موبخا : هل عرفت كيف حرب العتوب ؟.
ومع شاردة أخرى من نجد ومع شاعرها الكبير محمد صالح القاضي رحمه الله الذي برع في الشعر براعة جعلته في مقدمة ركب شعراء النبط بل جعل من جاء بعده يقلده في أسلوبه وأدبه .وكان يكثر من الغزل في شعره حتى لا تكاد قصيدة تخلو منه فهو فنه المحبب اليه وأظنه الفن المقرب الى أكثر الشعراء لأنه يخاطب العواطف والقلوب المرهفة أما فن الحكمة وغيره فهو مما تستثقله النفوس لأنه يذكرها بالحقيقة التي تهرب منها .
ومن طرف شاعرنا القاضي أنه كان في مدعوا عند بعض أصحابه وبينا هما يتبادلان الاشعار قال له صاحبه : يا محمد كل أشعارك فيها غزل وحب الا تأتي بغير هذا الفن في شعرك ، فقال القاضي : نعم سأورد قصيدة الآن وليس فيها من الغزل شيء وتراهنا على ذلك ، فبدأ في قرض الشعر وكانت القهوة تصنع فكان مما قال :
يا من لقلبٍ كل ما التم الاشفاقْ
من عام الاول به دواكيك واخفوقْ
يجاهد جنود في سواهيج الاطراقْ
ويكشف له أسرارٍ كتمها بصندوقْ
الى عنّ تذكار الاحباب واشتاق
باله وطفّ بخاطره طاري الشوقْ
وأخذ في وصف القهوة وصفا عجيبا حتى مر به فجأة ما سلب عقله فقال :
يحتاج من خمر السكارى الى فاقْ
طفلٍ يشف شفاه والعنق مفهوقْ
عبثٍ يعيل بحبةٍ منه ما ماق
وهو يضاهي باهي البدر بعشوقْ
فلما انتهى من هذه القصيدة الرائعة قال له صاحبه : خسرت الرهان يا محمد ، فقال القاضي : لم استطع مقاومة ما رأيت .
