صفحة اسبوعية متخصصة في تاريخ الجزيرة العربيةوأدبها.
الوثائق البريطانية أهم مصدر لتاريخ الخليج ولكن تحتاج إلى تحقيق... لا شك أن الوثائق الغربية عامة وخاصة البريطانية منها التي استمرت قرابة ثلاثة قرون وهي تكتب التقارير عن هذه المنطقة تستحق عناية مهمة من جميع الباحثين عن تاريخنا لأن فيها من العلم الكثير ولكن يجب علينا التنبه ونحن نقرأ هذه الوثائق ونمحص حقها من باطلها فما كل ما يلمع ذهب ولا كل مدور كعك فربما يكون حية تسعى. وقد أثرت سؤالا في الحلقة الماضية وهو ما مقدار صحة ما جمع في الكتاب المهم الكبير المسمى بدليل الخليج؟ والجواب : لا يستطيع أحد أن يحكم على صحة هذه المعلومات لأنهم كانوا وحدهم في المنطقة الذين قاموا بهذا العمل وهم كانوا يسجلون والآخرون لم تكن لهم مثل همتهم في التدوين اللهم إلا قليلا مما كتب العثمانيون عن مناطق نفوذهم ولم تكن الإمارات العربية منها فلهذا تجد الوثائق العثمانية نادرة جدا عن منطقتنا وقد حاولت جهدي أن أجد منها ما يفيد الباحث ولكن بلا فائدة تذكر للأسف .
وكان العمانيون والسعوديون يدونون كذلك بعضا من تاريخ الجزيرة ولكنها قليلة وكتبت في أحداث خاصة وفي فترات متباعدة وقلة التدوين سببه قلة العلم وكثرة الاضطرابات والفقر العام وعدم الاهتمام بحفظ المخطوطات القديمة فهي تموت بموت أصحابها فكم من مخطوط اوقد به النار وكم من وثيقة محيت في لجج البحر وما تظن الفقر وتفشي الجهل يفعلان بتركة العلماء .
واليوم مع كثرة العلم والمال والتقدم لا تزال مخطوطات كثيرة ووثائق مهمة في أيدي أناس لا يقدرونها ولا يعرفون قيمتها توشك أن تدرك نفس المصير التي أدركته الوثائق القديمة وأنا أناشد السلطات المعنية في هذه الدولة المعطاء أن تتدارك البقية المتبقية من هذه الكنوز قبل ضياعها .
والحمدلله أن الحكومة البريطانية حفظت كثيرا من رسائلنا ووثائقنا لديها واليوم صار كل باحث يستطيع أن يطلع من هذه الوثائق ويستفيد منها ، ولكن كما ذكرت آنفا لابد للباحث أن يحقق ما يقرأ ولا يأخذ كل ما قالوا كأنه الحق المبين و أستطيع أن ألخص الطعون فيها بما يلي :
1ـ عداء الدولة المستعمرة لمن يحاول محاربتها وتخليص البلاد منه فهم لن يكتبوا عن أعدائهم إلا القبيح ولن يصفوا معاركهم والأحداث التي مرت بها دولتهم إلا بما يناسبهم .
2ـ مدة تأليف دليل الخليج الذي ت؛لمنا عنه في الحلقة الماضية كانت قصيرة للغاية فهي لا تتجاوز سنتين في حين هذا النوع من الاعمال يحتاج الى سنين طويلة من البحث والتدقيق الشديد ولكن الدقة غير مهمة ولا تحري الصدق إذا كان الهدف قد تحقق عندهم .
3ـ تدخل الباحثين في أمور لا يعرفون عنها شيئا كالأنساب والمذاهب والعادات والطبقات ... مما جعلهم يدخلون في متاهات واستنتاجات غريبة بسبب خطأ المقدمات ومن المعلوم منطقيا أن خطأ النتائج راجع الى خطأ المقدمات المذكورة .
4ـ منذ قدوم الإنجليز الى المنطقة خاصة الى إمارات الساحل كانوا يعتمدون على غير أهلها من الوكلاء لأسباب منها :
ـ معرفة الوكلاء باللغة الانجليزية والعربية .
ـ وجود المقيم السياسي في بوشهر في ايران .
وعلى هذا فالتقارير التي كان يرفعها الوكلاء السياسيون في المنطقة تحوي كثيرا من الاخطاء بسبب عدم معرفتهم لأحوال المنطقة وتاريخها وكذلك بعاداتها وأنسابها إلا الوكلاء الذين استقروا بعد ذلك في المنطقة ، والوكيل السياسي كان موظفا للحكومة البريطانية يعمل لحسابها ويأتمر بأمرها ويرفع أخبار المنطقة أولا بأول وهذه الاخبار كان أكثرها عن طريق السماع فليس هناك جريدة يومية ولا إذاعة محلية ولا تقارير اخبارية وعلى هذا فهل يعتمد على ما ينقلون؟
يستطيع الباحث أن يعتمد عليهاإن كان ملما بأخبار المنطقة مطلعا على المراجع الاجنبية والعربية في ذلك الوقت وكذلك يستطيع الباحث الحريص على معرفة الحقائق عن طريق مقابلة الاخبار ومتابعة الرسائل التي كانت تصل من الوكلاء والأمراء والشيوخ .
ومن هذا العرض السابق قد يستنتج منه أن تاريخ هذه المنطقة لا يؤخذ من الإنجليز ولا من وكلائهم لعدم توفر المصداقية التاريخية ولكني أقول لأخي القاريء لا تصل الى هذه النتيجة السريعة لأن الامر ليس كذلك ، الانجليز ذكروا كثيرا من الحقائق وأخفوا كذلك كثيرا وأصابوا وأخطأوا وما مقالي هذا الا لتحذير الاخوة الباحثين والقراء من الوقوع في الاخطاء التاريخية المحتملة بسبب ركوننا الى كل ما كتبوا وحكمنا على ما يقولون بالصحة والصدق ولهذا أفاجأ كثيرا بكتب حديثة توزع في الاسواق وليس فيها الا المراجع الاجنبية بل لا تحتوي هذه الكتب على مناقشات ولا تصحيح للمفاهيم الخاطئة ولا إشارة الى افترائتهم وكأن ما يقولون قرآن مقدس .

