المتلقي في «الأيام» حين نتوجه إلى صالة المسرح، فما الغاية التي ننشدها كمتلقين، وما الأمر الذي نفكر فيه عند جلوسنا داخل القاعة.. وما النتائج المتوقعة قبل بدء العرض المسرحي؟ إن فكرة الدقات على خشبة المسرح قبل بدء العرض، وعزف السلام الوطني في بعض البلدان،والذي تحول فيما بعد إلى استخدام الموسيقى والتنوع في عرض المناظر وتداخل ألوانها.

كل هذه الطقوس تلعب دوراً مهماً في جلب انتباه المتفرج، ودفعه بالتفكير والتأمل بما سيقدم إليه والى أي عالم سينتقل هو ومن معه، حيث إن المتفرج تنسلخ ذاته قبل بدء العرض المسرحي وتتداخل مع ذوات الآخرين الذين يشاركون اللحظة ذاتها بالتصور، وإحياء الوقت الميت وزوايا النظر، ومتابعة ما يحدث.

وبمعنى من المعاني، يكون المتفرجون في الغالب ذاتاً منصهرة في لحظة ما. كل هذا ونحن مازلنا نتصور إن الستارة لم ترفع بعد، بل سمعنا دقات البدء فقط، إذ أن الستارة أو الجدار الرابع أو الجدار الوهمي، ما هو إلا الحد الفاصل بين ذواتنا وعلاقتها بما هو خارج القاعة، وما هو داخل القاعة ثم التحول إلى ما يدور على خشبة المسرح، عند ذلك تختلف المواقع ومن يلعب دور من، وذلك يحدده نوع الاندماج أو التغريب كما هو في مسرح بريخت.

وطالما للإنسان نوازع وغرائز عدة، والمسرح يخاطب هذه الغرائز فهو بصري. سمعي وحركي وفكري. أي انه يخاطب النواحي الجمالية البصرية والهارموني السمعي بالنسبة لتناغم الأصوات والتنسيق الجمالي، يتناسب مع «معالجة» التوزيع الكتلي والمعرفة الفكرية المتداخلة بين منطقة التساؤل والبحث عن الحلول الجاهزة، ذلك إن الدافع شيء منشط اسمه رغبة البحث والمشاهدة.

إن الممثل الذي يؤدي شخصية مغايرة لشخصيته هو متفرج أيضا، لأن المتفرج ما أن يبدأ العرض المسرحي ينسلخ من شخصيته، ويؤدي شخصية أخرى، وهنا المقصود بتبادل المواقع. ففي أغلب الأحيان يتابع الممثل انفعالات المتفرجين، وهنا يكون هو متفرجاً أيضا، ويتابع المتفرجون انفعالات الممثل بذوات مختلفة، وهنا يكون المتفرج ممثلاً، السر إذا في لعبة المشاهدة، لماذا لا نتمتع بمشاهدة المسرحية إذا كانت مسجلة على شريط تلفزيوني بقدر ما نشاهدها عارية على خشبة المسرح.

إن الإنسان بحاجة دائمة إلى من يدعم وجهة نظره، فهو يقيم نواحي كثيرة من خلال رؤياه الواعية. ولكن مستوى القرار يتوقف على اشتراك الآخرين معه في نوعية القرار ودرجات التذوق، حتى الضحك فهو أي المتفرج لا يتذوق الضحك إذا كان وحده كما يقول برجسون في كتاب «الضحك»: «يخيل إلى أن الضحك في حاجة إلى صدى أنصت إليه جيداً.. إنه نغمة واضحة متميزة منفردة، بل شيء يبدأ بفرقعة ويستمر في هزيم كهزيم الرعد.. إن ضحكنا هو على الدوام ضحك جماعة ما».

تبقى هي اللحظة المهمة التي يتجسد فيها العطاء المسرحي منذ أن تجمهر أبناء الإغريق أمام خشبة المسرح، وحتى دخولهم الكنائس في القرون الوسطى وتجوالهم في الشوارع والطرقات. كانت الغاية المشاهدة أي المشاهدة الواعية واللاواعية في ردم بنى وتأسيس مدارات أخرى، عبر المزاوجة في الطروحات والرؤى بين ما هو مشاهد والمشاهد نفسه.

واليوم نصل إلى الدورة الثامنة عشرة لأيام الشارقة المسرحية، والسؤال الأهم في هذه المعادلة:

أين هو موقع المتلقي الإماراتي من هذه العروض المسرحية التي نسألها هي الأخرى عن إمكانياتها بخلق متلق متقد ومتفاعل؟