تلمس المشاركون في الندوة الفكرية المصاحبة لأيام الشارقة المسرحية التي أقيمت صباح أمس تحت عنوان (الفرق المسرحية بين الهواية والاحتراف) الإشكاليات التي تحد من وجود عمل مسرحي متكامل ومتجدد العناصر يمكن تقديمه للمتفرج. ودعوا الى تأسيس فرق مسرحية محترفة بعيداً عن تلك الهواية المزاولة للمهنة، مؤكدين أن ذلك ما له أن يتأتى إلا بعقل المبدعين الحقيقيين من أبناء الدولة، وبدعم مجتمعي لتغتني الحركة المسرحية بذوات فنية مميزة راقية، وشددوا على أهمية الانطلاق من الذات، لأن المسرح الذي لايعرف ذاته ومجتمعه، لا يمكن له أن يعرف الآخر.
وتساءل المشاركون أمام جمهور كبير من المخرجين والممثلين والمهتمين بالشأن المسرحي حول ما إذا كان هناك اهتمام حقيقي برجالات المسرح، ومدى سقف الحرية للتعبير عن الرأي، باعتبار المسرح موقفاً نقدياً يستند الى الفكر، كما تم التساؤل عن موقف الدول من دعم العمل المسرحي، وماذا تعد من برامج استراتيجية للنهوض بالمسرح، فضلاً عن سياسة دعم المسارح.
وذهب الدكتور يوسف عيدابي مدير إدارة التخطيط لدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة المنسق العام لمعرض الشارقة الدولي للكتاب إلى نقطة غاية في الأهمية، عندما طالب الفرق المسرحية بأن تكون قادرة على تحقيق مكاسب جماهيرية من خلال منتجها الذي تقدمه، معلناً أن ذلك صعب التحقيق، لأن قلة من المسرحيين مؤهلة لتقديم هذا النوع من الأعمال المبدع، بينما السواد الأعظم لا يزال في طور الهواية.
وأعلن أمام الحضور أن هناك محنة حقيقية في المسرح، لابد أن يقابلها تأسيس مسرح قادر على التغيير ومواجهة النمطية الثقافية المزعجة، واخذ الثقافة إلى بعدها الحقيقي والتوجه إلى تشكيل ورش وجماعات مسرحية من الموهوبين في سياق فكري منهجي.
وصرح أحمد بورحيمة مدير أيام الشارقة المسرحية بأن الندوة الفكرية والنشاط الثقافي المصاحب للأيام يأتيان في صلب هذا الحراك المسرحي الفاعل، من أجل توفير مناخ مسرحي (صحي) يحقق الارتقاء بالحد الأدنى بين المسرحيين من كل مدارسهم واتجاهاتهم، بما يفيد ويعزز ايجابيات العطاء المسرحي المتواصل في الدولة عامة والشارقة بشكل خاص.
وتناول المخرج قاسم محمد في مشاركته ما ذهب إليه الباحث الإماراتي عبد الله الطابور في كتابه (المسرح في الإمارات) حيث قال: ان واقع المسرح يدعونا الى البحث عن مخرج أو طريق من اجل النهوض بالحركة المسرحية، حتى لا نقع في الكثير من الإشكاليات. مشيرا إلى أن الإشكالية الرئيسية لدى الفرق المسرحية المحلية هي التفرغ، باعتباره ضرورة قصوى لتحقيق حركة التطور عبر الاشتغال اليومي لا الموسمي وبمثابرة مشفوعة بالعشق وحب الإبداع، من اجل التطور الذاتي من جهة والتطور الموضوعي من جهة أخرى، لتجديد نشاط وإبداع الفرق المحلية.
وأوضح أن التفرغ يساعد على توفير عامل الوقت واستثماره من قبل العاملين في الفرق المسرحية وبناء منظومة اشتغالات إبداعية تفكر وتبحث وتتدرب وتنجز، ومن ثم تعيد إنتاج إنجازها بصور وأشكال ومضامين ووسائل تعبير أجمل وأكمل.
وأكد قاسم محمد أن التفرغ هو الفيصل بين الهواية والاحتراف، وبغياب التفرغ يغيب الاحتراف الحقيقي المكرس لتجذير القيمة الفنية العليا لمعنى الاحتراف المبدع، مشيراً إلى أن الهواية تحتل جسم وروح الفرق المسرحية ومكان الاحتراف الإبداعي، بحيث تتراكم العادات ويتكرر السابق بشكل أسوأ، ليصبح لاحقاً دون أي تقدم أو تحقيق خطوة جديدة، فيضمحل الحلم من جديد، ويتم الابتعاد عن هواجس التأسيس المسرحي المعاصر والكاشف عن جديد دائماً.
واعتبر قاسم محمد أن الفرق المسرحية الخليجية المحلية تخضع نكوصا ونهوضا للظروف الذاتية الخاصة بها، وتبقى في مجملها قليلة التقدم، ولم تخط الخطوة الحاسمة في التحول من عالم مسرحي بين هواية وشبه احتراف إلى احتراف كامل وقتاً ووجوداً وعملاً، والسبب يعود كما يقول الى مسألة التفرغ، مقترحاً إنشاء مركز متخصص للتكوين المسرحي، تكون مهمته تأهيل الكوادر المسرحية في كل التخصصات، وتأسيس فرق مسرحية محلية مبدعة.
وختم قاسم محمد بالقول: إن دراسة استطلاعية عن الجمهور المسرحي في الإمارات، خلصت إلى أن غالبية المواطنين يعتقدون أن أحد أسباب عزوف الجمهور عن المسرح، هو أنه لايعالج قضاياهم، بينما يعتقد المقيمون بأن المسرح خال من المضمون، وبالتالي هناك حاجة الى امتلاك المعرفة والثقافة والبحث والتخطيط والتفرغ والتجهيز والاكتشاف واكتساب طرق العمل الاحترافي المتسم بروح المعاصرة، من أجل إيجاد فرق مسرحية أصيلة.
ولا تذهب تجربة الدكتور اشرف زكي الممثل والمخرج المصري بعيدا عما طرحه المنصف السويسي، وهو ان المسرح والمجتمع من اكبر الإشكاليات التي تواجه الحركة المسرحية، حيث أشار إلى أن المسرح مازال يعتنق أفكاراً كلاسيكية لا تتجاوب مع المتغيرات المحيطة، مسلطا الضوء على إشكاليتين تواجهان العمل المسرحي هما: البنية الأساسية للمسرح، والممثل المسرحي الضائع بين السينما والتلفزيون وخشبة المسرح والسبب مادي بحت.
وتطرق المخرج محسن العلي الى تجربته الخاصة في تأسيس فرقة شعبية كانت فيها قواعد أخلاقية، اكتسبها من دراسته وعلاقته مع رواد العمل المسرحي. وتناول الفنان المسرحي محسن السعدون العلاقة الجدلية بين الجمهور والعمل المسرحي وتجربة الإمارات التي وصفها بأنها محدودة. ولخص المخرج عبد الستار ناجي مقومات النجاح في العمل المسرحي بالإيمان بالقضية والفكر المتقد والمزاج.
ثلاثة مطالب من المنصف السويسي
تقدم المخرج التونسي المنصف السويسي أحد المتحدثين الرئيسيين في الندوة بثلاثة مطالب لخصها بالقول: أعطوني مجتمعاً داعماً مسؤولاً عن الثقافة، أعطوني دولة تعطي للثقافة مكانة حقيقية ومسارح وتجهيزات، أعطوني إعلاما يساند العمل المسرحي. واعتبر السويسي ان الولوج الى الفضاء المسرحي، يتم عبر ربط الفرق بمجتمعاتها استنادا الى قول الشاعر الإسباني لوركا: شعب لايساعد مسرحه شعب يكاد ان يموت.
وتطرق السويسي الى البيئة المحيطة وتأثيرها على المسرح، مشيراً إلى أن للفرق حقاً في دعمها من قبل المجتمع لتكون بالمواصفات التي نطمح لها، مؤكداً على ضرورة نسج علاقة مع مؤسسات المجتمع ولا سيما وزارة التربية ووزارة التعليم العالي لخلق مسارح مدرسية وجامعية.
الشارقة ـ نورا الأمير
