افتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الليلة الماضية فعاليات الدورة الثامنة عشرة لأيام الشارقة المسرحية في قصر الثقافة بالشارقة، بحضور سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي عهد ونائب حاكم الشارقة وسمو الشيخ عبدالله بن سالم القاسمي نائب حاكم الشارقة ومعالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وعدد من الشيوخ ومسؤولي الدوائر المحلية وحشد كبير من الضيوف العرب، بينهم الفنان يحيى الفخراني وزوجته الدكتورة لميس جابر وجمع من المسرحيين والإعلاميين في الدولة.
بدأ حفل الافتتاح بالسلام الوطني الإماراتي، ثم صعد إسماعيل عبدالله رئيس جمعية المسرحيين إلى الخشبة عريفاً للحفل، فقدم مادة سردية فيها جماليات الكلمة وبعد المعاني، ما كان له وقع طيب ولاقى استحسان الحضور. وألقى عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة ورئيس اللجنة العليا المنظمة للمهرجان كلمة رحب فيها بضيوف الأيام والمشاركين فيها، مؤكداً أن الشارقة ازدهرت بفن المسرح الذي نال دعماً استثنائياً ومتواصلاً من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وراعي نهضتها الشاملة والذي يسمو به المسرح، لأنه الأب الروحي للمسرحين العربي والإماراتي.
وأشاد العويس بمؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة قائلاً: «في كل دورة نقف مع جديده، فمن «عودة هولاكو» إلى «صورة طبق الأصل»،.. ومن «القضية» إلى «الإسكندر الأكبر»، وصولاً إلى مسرحيته الجديدة «النمرود» التي تُدشن أيام الشارقة المسرحية في دورتها الجديدة، والتي تفتح نوافذ نقدية متجددة يسهم فيها المئات من المبدعين.. مُخرجين ونقاداً.. مُمثلين وحرفيين.. إعلاميين ومُتابعين».
وختم العويس كلمته شاكراً وزير الثقافة عبد الرحمن العويس ورئيس جمعية المسرحيين إسماعيل عبدالله على دعمهما مسيرة الأيام.
وبعد ذلك تم الإعلان عن أعضاء لجنة التحكيم، الذين صعدوا إلى خشبة المسرح وهم: أحمد الجسمي (الإمارات)، شايع الشايع (الكويت)، محسن العلي (العراق)، محمد العوني وهشام رستم من (تونس )، يحيى الحاج إبراهيم (السودان).
ولفت الأنظار قبل بداية حفل الافتتاح وجود ممثلي عرض الافتتاح «النمرود»، الذين توزعوا مرحبين بالجمهور القادم لمشاهدتهم، وقد حملوا بين أيديهم البخور وماء الورد، وكانت ابتساماتهم تسبقهم وهم يرحبون بالضيوف، وشكل هذا المشهد أحد معالم عرض «النمرود» في رغبة من المخرج المنصف السويسي أن يكون هناك ألفة بين الممثل والجمهور قبل بدء العمل.
«النمرود» هو العرض الدرامي الخامس الذي يحمل توقيع صاحب السمو حاكم الشارقة مؤلفاً وهو مأخوذ عن رواية «الأمير الثائر» التي صدرت لسموه قبل سنوات، والنص يحاكي قصة ملك بابل وقد ادعى الألوهية، وإذا قيل ملك الدنيا أربعة.. مؤمنان وكافران. فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان.
والكافران بختنصر والنمرود، والأخير لم يكن يقبل إلا أن يقال عنه الرب، وتحكي القصة المقدسة أن النبي إبراهيم الخليل عليه السلام قد طلب منه العودة إلى الله وحده لا شريك له فرفض وصال وجال عذاباً بالناس، وفي يوم جمع النمرود جيشه وجنوده، وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه سرباً من البعوض، بحيث لم يروا عين الشمس، فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظاماً بادية، ودخلت واحدةٌ منها في منْخَر الملكِ فمكثت في منخره.
اللعبة الدرامية للعرض تبدو في هذه اللحظة التي وظفها النص توظيفاً متقنا وساخراً من ظلم النمرود وجبروته، ففي نهاية العرض صار يطلب من الناس أن تضربه على رأسه كي تريحه من عذاب تلك البعوضة التي دخلت مخه من خلال أنفه.
والمعروف عن أسلوب المخرج المنصف السويسي توظيفه المتقن للممثل على خشبة فارغة إيماناً منه أن المسرح ممثل يحرك الأحداث على الخشبة، وهنا كانت لعبة اللون والإضاءة سلاحاً قوياً بيد المخرج، الذي استخدم عمق المسرح كشكل من أشكال تغيير المكان والزمان ملقياً بإضاءة خفتت أحيانا واتسعت أحياناً أخرى، لتكون لعبة خيال ظل لشخصيات تعبر من «فلتر» الزمن.
ووظف المخرج حشوداً جيدة في العرض، ولفت الأنظار إلى قدرة الممثلين وانضباطهم على المسرح، من دون أن يمسوا القناديل المرصوفة بعناية والموزعة على مساحة الخشبة.
وتميز أحمد الرزاق ومحمد غباشي في أداء شخصيات تبتعد عن دور الجوقة، بينما كان أحمد الجسمي، وهو يؤدي دور «النمرود»، في حركة مستمرة ونشاط يحسب له فيما استفاد المخرج من إيقاع صوته وتواتره في الوقت الذي غابت فيه ملامح الوجه نهائياً. ويبدو ان المخرج اعتمد على لعبة الأقنعة إدراكاً منه بدور مضاعف لحضور الممثل أكثر مما لو كانت تعابير الوجه حاضرة، وهذا الحل الإخراجي يجوز فيه كلام ورأي آخر سنتحدث عنه قريباً، ويتمحور حول علاقة المخرج مع وسائل الممثل الإبداعية.
يسجل للمخرج تقديم وجهة نظر تجريبية في نص مبني بناء كلاسيكياً وقريباً من روح الحكاية، وإذا كانت هذه احدى جماليات العرض إلا أنها تدخل في مناطق جديدة، نحسب أن المسرح العربي لم يفعلها بمزجه هذا الشكل بين التجريب والكلاسيكية، وهذا أيضا ذكاء وظف كحل درامي من قبل المخرج.
الشارقة ـ جمال آدم

