أكد الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب راشد العريمي أن الجائزة ولدت عالمية منذ أبصرت النور، وأنها رغم توجهها وروحها الثقافية العربية ـ كراعية وداعمة لها، إلا أنها في الوقت ذاته تحمل أبعاداً حضارية إنسانية للبشرية كافة.
وأشار إلى أن الجائزة لقيت ترحيباً وقبولاً واسعين من قبل جميع الهيئات والمؤسسات الثقافية العربية والأجنبية، وهي ترسخ كل يوم لمصداقيتها وحياديتها من خلال مجموعة عوامل. وأوضح العريمي في حوار خص به «البيان» أن حجب بعض جوائز الفروع المختلفة للجائزة لا يعني التقليل من شأن المشاركين في تلك الفروع، بقدر ما يعني الالتزام بالمعايير والأسس التي قامت عليها الجائزة، وفيما يلي مجريات الحوار:
* حدثنا عن فكرة الجائزة منذ بدايتها؟
ـ بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ومتابعة دؤوبة من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، انطلقت منذ سنوات مسيرة نهضوية شاملة في جميع المجالات الثقافية والفكرية والفنية التي توازي ما تشهده الدولة من تطور على مختلف الأصعدة. والحديث يطول عن المشاريع الثقافية في الإمارات عموما، وفي أبوظبي على وجه الخصوص.
أما فكرة «الجائزة» فهي من بنات أفكار الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد التي ظهرت بعد زيارة سموه لمعرض أبوظبي للكتاب في دورته السادسة عشرة عام 2006، وملاحظة سموه حاجة المشهد الثقافي العربي بمجمله للتنشيط وبث الروح فيه، وحاجة المبدع العربي في شتى المجالات للرعاية والدعم، فجاءت فكرة الجائزة لتكريم هذا المبدع لما قدمه من نتاج أدبي ومعرفي وفكري، للارتقاء بالمشهد الثقافي والفكري العربي، لما يستحقه من مكانة بين حضارات وثقافات الإنسانية، وإيماناً من سموه بأهمية الكتاب والمعرفة بالنسبة للإنسان، بغض النظر عن الزمان والمكان الذي يتواجد فيه.
* تتداخل الصورة المشهدية للمشاريع الثقافية في الإمارات، وفي أغلب أنحاء العالم، مع الصورة التجارية أو الترويجية، هل استطعتم أن تجعلوا الجائزة بمنأى عن هذا التداخل؟
ـ لا بد من الإشارة إلى ابتعاد المشاريع الثقافية في أبوظبي عن القضايا التجارية بمعناها الربحي، ولا يوجد مشروع واحد من المشاريع التي أطلقتها إمارة أبوظبي في الفترة الأخيرة يحمل هذا الطابع، بل ان جميع هذه المشاريع وجدت في حقيقتها لمساندة وخدمة الواقع الثقافي العربي والإماراتي، ويقع هذا الأمر ضمن توجهات الخطة الاستراتيجية لإمارة أبوظبي، والتي أعلنت منذ مدة، وهذا يشمل الجائزة بصورة أساسية.
أما الناحية الترويجية لإمارة أبوظبي من خلال الجائزة وغيرها من المشاريع الثقافية، فأعتقد أنه حق مشروع لا جدال فيه، ولدينا شواهد وأمثلة توضح أن «الترويج» لمدينة أو دولة ما هو أمر معتاد ومسلم به في جميع الأنشطة والمشاريع الثقافية حول العالم، فخذ مثلاً: حين تقيم فرنسا مهرجان كان السينمائي فهي على هامش تفعيل المشهد السينمائي العالمي، تقوم للترويج لمدنها وثقافتها الخاصة، وكذلك هو الحال في أكثر الأنشطة والمشاريع الثقافية، التي تظهر بأنها ثقافية بحتة، كمعرض فرانكفورت الدولي، فإن من بين أهداف القائمين عليه الترويج للمدينة وللحضارة الألمانية.. الخ.
ومن ناحيتنا، نرى بأن «الدولة المعجزة» الإمارات وعاصمتها أبوظبي، تستحق من أبنائها الترويج لها والافتخار بما حققته دولتهم في فترة قصيرة من عمر الزمن، إلا أن ذلك لا يعني أن الجائزة تضع هذا الهدف ضمن أولوياتها، بقدر ما تضع من هدف أساسي، يتمثل بتكريم وتقدير المبدعين العرب الذين لم ينالوا ما يستحقون من تكريم.
الإبداع الإماراتي
* دعنا نتحدث قليلاً عن بعض تفاصيل الجائزة، ولنأخذ مثلاً نسبة المشاركة الإماراتية فيها، هل حقاً أنها قليلة مقارنة بغيرها من المشاركات العربية، في هذه الدورة والدورة السابقة، وهل هناك من سبب لعدم فوز أي اسم إماراتي في الدورتين؟
ـ قبل الإجابة عن هذا السؤال، يؤخذ بنظر الاعتبار قضايا مباشرة كالنسبة السكانية وعدد السكان وحداثة تجربة الكتابة الإبداعية في الإمارات، مقارنة بغيرها من دول عربية وأجنبية لها تاريخ طويل في هذا المجال، ووفق هذه الاعتبارات أجد أن المشاركة الإماراتية في الجائزة كانت كبيرة جداً من حيث النسبة المئوية، ففي الدورة السابقة حلّت الإمارات في المرتبة الرابعة بين 25 دولة، من حيث عدد المشاركات بواقع 47 مشاركة، وهي نسبة كبيرة نظراً للاعتبارات التي ذكرتها.
وفي هذه الدورة بلغ عدد المشاركات الإماراتية 17 مشاركة، وحلّت الإمارات سابعة من بين 30 دولة عربية وأجنبية، وأعتقد أن عدم فوز أي اسم إماراتي في الدورتين غير دقيق، فهناك الفائز بجائزة النشر والتوزيع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وليس هناك من سبب أو علّة لعدم فوز اسم إماراتي، بل أن ذلك خاضع لمقاييس وشروط صارمة جداً من قبل اللجنة العليا والهيئة الاستشارية ولجنة التحكيم، وهذا إن دلّ على شيء فيدل على مصداقية الجائزة وحيادية القرار فيها، وهو ما يعطي ثقة كبيرة للكاتب والمبدع من جميع دول العالم للمشاركة فيها، بعد أن يرى حياديتها وعلميتها في اختيار الفائزين.
قرارات الحجب
* دعت بعض الكتابات إلى عدم حجب الجوائز في فروع «الجائزة» المختلفة ومن بينها فرع التوزيع والنشر، بغرض تشجيع الناشر العربي والمحلي على العطاء، ومنح الجائزة مصداقية أكبر؟
ـ بما يخص مبدأ التشجيع، الذي تقوم عليه وللأسف، العديد من الأنشطة والمشاريع الثقافية العربية، نرى أنه لا يخدم المشهد الثقافي العربي بشيء، بل نرى أنه يسير بهذا المشهد إلى التردي والتقوقع في مكان جامد، ويفتح الباب واسعاً لقضايا «المحسوبيات» و«المجاملات» التي نريد أن نبقي «الجائزة» بمنأى عنها، كما أن التكريم بغرض التشجيع يشكل ظلماً مركباً للجائزة، من حيث قيمتها المعنوية ولبقية الفائزين في فروع الجائزة الأخرى.
وقد وضعت الهيئة الاستشارية للجائزة معايير عالمية راقية لقبول الأعمال المتقدمة، وأكبر مثال على ذلك هو إقصاء 221 عملاً تقدم للجائزة لعدم مطابقتها للشروط، فهدف الجائزة أولاً وأخيراً هو تقدير المبدع الحقيقي الذي يستحق التقدير، أما من ناحية الحجب، التي طالت بعض الفروع في الدورة الماضية والحالية، فقد جاء بناء على توصيات الهيئة الاستشارية ولجنة التحكيم المكونة من عشرات المفكرين والأدباء العرب الذين يشار لهم بالمصداقية والخبرة.
وأود التنويه بشدة إلى أن حجب الجائزة في بعض الفروع، لا يعني مطلقاً إدانة جميع من يكتب أو يعمل في هذا الفرع أو ذاك منها، ولكن الحكم يشمل المشاركين في الفرع في الدورة بحد ذاتها، وهو ليس تقليلاً من شأن منجزهم الثقافي والمعرفي، بقدر حرص الجائزة على تطبيق أفضل المعايير.
* فاز مركز «الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية» بجائزة أفضل ناشر وموزع للدورة الحالية. ويرى البعض أن إصدارات المركز لا تتطابق مع الشمولية المطلوبة في فرع النشر للجائزة، بمعنى أن المركز يصدر مؤلفات متخصصة بالسياسة والطاقة وبعض القضايا المتعلقة بها؟
ـ حين وضعت الأمانة العامة والهيئة الاستشارية معايير للفوز في كل فرع؛ كان من بين تلك المعايير ما يخص فرع النشر والتوزيع، وقد تضمن وجود خطة نشر متكاملة واضحة للجهة المتقدمة، وأن يكون لدى هذه الجهة القدرة على تنفيذ هذه الخطة في أجندة واضحة المعالم والتوجهات، وصحيح أن «مركز الإمارات» يضع أولويات للنشر كما هي حال أغلب دور النشر المحترفة في العالم ـ وتتمثل بالمواضيع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.
إلا أن المركز بحسب البيان الذي أصدرته الهيئة الاستشارية ولجنة التحكيم وافق بين شروط الفوز والمعايير التي وضعت، وحصل على أعلى نسبة نقاط مقارنة بالجهات الأخرى، وليس هناك عامل آخر يمكن أن يحظى به الإنسان أو الجهة المتقدمة للجائزة؛ سوى إبداعه وقدرته على التجدد، وخدمة المشهد الثقافي العربي.
* تعترض بعض المشاريع الثقافية العربية، بما يتعلق بالنشر والكتب والتوزيع، معضلة حقوق الملكية الفكرية وحقوق المؤلف، هل صادف الجائزة في دورتيها مثل هذا الأمر، وكيف ستتعاملون معه في حال حدوثه؟
ـ مثلما يعرف المتابعون للشأن الثقافي والمعرفي العربي، فإن دولة الإمارات كانت من أوائل الدول العربية في مجال الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية وحقوق المؤلف والناشر، ولدينا عدة اتفاقيات ومواثيق بهذا الشأن، ولم نتعرض في الجائزة لحالة نزاع أو تنازع على كتاب أو نتاج فكري ما لغاية الآن بين مختلف الفئات المتقدمة للجائزة وفي مختلف الفروع، أما في حال حدوثه، ولا نرجو ذلك، فلدينا لجنة متخصصة في فرز ومتابعة المؤلفات مكونة من أبرز المتخصصين في مجال التأليف والنشر قادرة على اكتشاف هذه الثغرات إن وجدت.
* هل ستظل فروع الجائزة كما هي دون تبديل، وهل ستطرأ على الهيئة الاستشارية ولجنة التحكيم أية تعديلات في المستبقل؟
ـ الجائزة ذات استراتيجية محددة ومعروفة، أما الآليات فمختلفة ومتغيرة وفقاً لما ينتج من حوارات دائمة بين الهيئة الاستشارية واللجنة العليا ولجنة التحكيم، وأبواب المستقبل مشرعة لإضافة بعض الفروع أو إلغاء أخرى، وبالنسبة لطاقم الجائزة من حيث اللجان والهيئات، فهو قابل للتغيير والتعديل وفق ما تقتضيه الظروف الموضوعية.
حيادية
* تشغلون منصب رئيس تحرير صحيفة «الاتحاد» وفي الوقت ذاته تتولون منصب أمين عام جائزة الشيخ زايد للكتاب، هل تعدون بأن الأخبار المتعلقة بها، ستكون موزعة بحيادية وبالتساوي ومن دون تفضيل؟
ـ حين يتعلق الأمر بالسبق الصحافي؛ فهذا جهد الصحافي نفسه ولا أستطيع الحؤول دونه، أما فيما يتصل بالتفاصيل المتعلقة بأخبار الجائزة وبياناتها وقراراتها وضيوفها، فأنا أضمن حياديته ولا أتنازل عنه، لأن غرضنا الأول في الأمانة العامة للجائزة في قسمها الإعلامي، هو إعطاء الجائزة حقها من المتابعة بغض النظر عن الجهة الإعلامية التي أمثلها.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
