صفحة اسبوعية متخصصة في تاريخ الجزيرة العربيةوأدبها.
«دليل الخليج» أهم ما كتب عن الجزيرة العربية في العصر الحديث يقع كثير من الباحثين في هذه المنطقة في خطأ مشهور ألا وهو اعتمادهم على التقارير والمؤلفات الانجليزية والغربية بدون تمييز أو تدقيق حتى اعتمدوا على هذه المؤلفات في تحقيق نسب القبائل وهم ليسوا بثقات في نقلهم للتاريخ فكيف بأنساب العرب التي لا يعرفون عنها شيئا اللهم إلا ما يقال لهم ومصادرهم في ذلك مجهولة فهم لا يذكرون أسماء مصادر هذه الأخبار ويكفي بهذه العلة سببا لإسقاط ما يثبتون ولا يلامون في ذلك لأنهم لا يعرفون قانون الرواية، ومن المؤلفات المهمة الأجنبية التي يعتمد عليها الباحثون كتاب دليل الخليج لمولفه «ج.ج.لوريمر» حيث جمع فيه صاحبه أغلب ما عثر عن تاريخ منطقة الخليج وكان هذا الكتاب نتيجة لزيادة احتياج الدولة المستعمرة بريطانيا آنذاك لملخص تاريخي وجغرافي ليستخدمه المسؤلون السياسون في المنطقة وكان الآمر بتأليف هذا الكتاب هو اللورد كيرزون سنة 1903م .
ومن هذا يتضح أن سبب تأليف هذا الكتاب هو تعريف المقيمين السياسيين بكيفة التصرف مع الناس في هذه المنطقة، وقبل البدأ في مناقشة كتاب دليل الخليج وهو أكبر مرجع تاريخي للمنطقة لجميع الباحثين سأورد كلام المؤلف لوريمر عن سبب تأليف الدليل يقول: «أدى تزايد أهمية الخليج بعد سنة 1899م إلى ظهور الحاجة لوجود ملخص تاريخي وجغرافي لهذه المنطقة يستخدمه المسؤولون السياسيون، واصدر لورد كيرزون اوامره بجمع مواد هذا الدليل التاريخي والجغرافي للخليج وعمان ووسط جزيرة العرب سنة 1903، وبدأ العمل فيه في العام التالي.
وفي شتاء 1904 ـ 1905م قام الكاتب يعاونه مستر ج. س. جاسكين الذي أصبح فيما بعد المقيم التجاري المساعد في بغداد، والملازم س. ه. جابرييل الذي كان مرشحا لوظيفة سياسية في حكومة الهند وتم تعيينه بها بعد ذلك، قاموا معاً بجولة في الخليج من أجل جمع المعلومات لهذا الدليل.
ومن الاماكن التي زارها الكاتب في ذلك الوقت مسقط وصحار والشارقة والبحرين والكويت والبصرة وبغداد وكربلاء والمحمرة وبوشهر وبندر عباس وجاشك، وكان قد سبق للكاتب ان صحب لورد كيرزون في جولته بالخليج في نهاية سنة 1903.
أما المسح التفصيلي لمختلف أقاليم الخليج لأغراض هذا الدليل فقد أتمته بعثة هندية برياسة شير جانج في شتاء 1904، وقامت البعثة برسم خريطة تفصيلية كبيرة لجزر البحرين، ولاقليم الكويت وما جاوره وما بينه وبين الحدود التركية، ولشبه جزيرة بوشهر، ولهذا الاقليم من عمان الذي يعبر حدود مدينتي مسقط ومطرح.
رحلات واستطلاعات
كما قامت رحلات استكشافية أخرى عديدة، بعضها كان مستقلا والآخر مرتبطاً بعمل هذا الدليل، ففي 1901م قام كابتن ب. ز. كوكس وكان حينئذ الوكيل السياسي في مسقط، يصحبه ضابط من قوة المخابرات العسكرية في سيملا، هو الكاتب ه.ه. دواونج بجولة في وادي طاعن في سلطنة عمان من البحر حتى رأس الوادي وعادا إلى مسقط عن طريق وادي سمايل. وفي 1902م قام ميجور كوكس ـ دون أن يصحبه أوروبي واحد هذه المرة ـ بجولة طولها 400 ميل عبر عرض عمان من أبوظبي إلى مسقط، وحصل على معلومات جديدة عن إقليمي الظاهرة وعمان نفسها..
وكان ميجور برتون، نائب قنصل صاحب الجلالة ملك بريطانيا في المحمرة هو أول من تعرف على نهر الجراحي في اقليم عربستان والذي كان مجهولا حتى ذلك الوقت (1904) كما قام أيضا بأبحاث في جغرافية إقليم الفلاحية وطبيعة الأرض المجاورة لخور موسى. وفي العام التالي سافر إثنان من علماء التاريخ الطبيعي إلى إقليم عربستان.. هما كولونيل بيل وارد ومستر وورتام كما قام الملازم د.ل.ر. لوريمر، نائب قنصل صاحب الجلالة في الأهواز، باستطلاعات مفيدة أيضا في عربستان في سنة 1904م وما بعدها.
وفي شتاء 1905 ـ 1906م قام ميجور ب.ر. كوكس بعدة رحلات مفيدة وهو في منصب المقيم السياسي للخليج لحل مشكلات طبوغرافية تتعلق بالدليل وقد زار فيها ديلم بهبهان والنهر الهندي ومعشور ونهر الجراحي والبوزية والفلاحية والبهمنشير وقوبان، وحدد في رحلاته هذه بدقة مجرى النهر الهندي والقى الضوء على ارتباط خليج خور موسى الهام بنهر قارون والبهمنشر، وكانت هذه المواقع جميعاً غير مفهومة بوضوح قبل رحلته.
كما قام براً برحلة من رأس الخيمة إلى صحار عبر البريمي. وصحبه في هذه الرحلة الملازم س.أ. سكوت من البحرية الهندية، كي يحدد بدقة مكان واحة البوريمي التي نجدها موضوعة خطأ على كل الخرائط.
وفي 1905م قام كابتن نوكس، الوكيل السياسي في الكويت، بجولة طويلة جنوبي هذا المكان، وفي العام التالي قام نفس الضابط برحلة وصل فيها إلى حفار وهي معلم من المعالم الهامة على مبعدة 160 ميلا من الكويت ولم يسبقه إلى هذا المكان رحالة أوروبي رغم ان كثيرين تحدثوا عنه.
وبين سنة 1903 و1905م استطاع المسؤولون السياسيون بما جمعوه من معلومات من الاهالي أن يحققوا معرفة جغرافية كاملة بكثير من الاقاليم المجهولة الواسعة في شرقي جزيرة العرب، وقد قام بدور ضخم في هذه المهمة الصعبة كابتن برايدكس الوكيل السياسي في البحرين، وميجور كوكس المقيم السياسي في الخليج.
الاستطلاعات الجيولوجية في الخليج
وقام مستر جي. بلجريم من كتب الابحاث الجيولوجية الهندية بمسح جيولوجي شامل لساحلي الخليج، كما قام بمزيد من الابحاث لتحديد اماكن وجود المعادن فيها، واتم هذا العمل خلال شتاء 1904 ـ 1905 وسنجد نتائجه ملخصة بقلم الباحث نفسه في احد ملاحق هذا الدليل، ويبدو أن دكتور فون كرافت ودكتور اولدهام من المكتب الجيولوجي الهندي كانا قد قاما بدراسة عملية للفحم في الاقليم الممتد في عمان وراء صحار سنة 1901م.
الأبحاث الأثرية
واهتمت حكومة الهند أيضا بتكوينات عصور ما قبل التاريخ في جزر البحرين، فاتخذت الترتيبات لاستخراج عينات من هذه التكوينات ودراستها، كما قامت أيضا بارسال بعثة للتنقيب عن الآثار القديمة بالقرب من جناوه على الساحل الإيراني» .
يظهر من هذه المقالة أن الانجليز بذلوا جهدا كبيرا لجمع مادة دليلهم حيث أخذ منهم مدة سنتين وعمل فيه كثير من موظفي الحكومة البريطانية وكانوا يعتمدون على الاهالي في هذه البحوث وعلى التقارير القديمة وكتب الرحلات التي سبقت دليلهم هذا.
وهنا قد يثار سؤال وهو ما مقدار صحة ما جمعوه من معلومات ؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

