كلما مررت بجانب محطة القطار القديمة والمهجورة الواقعة في المدينة المنورة ينتابني شعور عجيب ودهشة من وجود هذه المحطة الموغلة في الماضي ولكن بدون قطار ولا ركاب فأتخيل صور المسافرين وهم يحملون أمتعتهم البالية وكأني أستمع إلى صوت حركة القطار القديم البطيء القادم من الشام وتركيا وهو محمل بالبضائع والمؤن المختلفة.

هذه المحطة هي إحدى محطات القطار العثماني الذي أسسه العثمانيون ليربطوا به الأقطار العربية بمقر الخلافة اسطنبول ولكنه للأسف لم يستمر طويلا بل تم التخلص منه وهو شاب صغير وليته بقي وكبر حتى نراه يمتد إلى كل الأقطار العربية، ومن جميل ما قرأت للشيخ على الطنطاوي رحمه الله وهو يتذكر قصة رحلته من الشام إلى الحجاز سنة 1933م مستقلا إحدى السيارات وكان هو ورفقاؤه يبيتون في محطات القطار هذه فيقول:

إن قصة الخط الحديدي الحجازي مأساة دونه المآسي الأدبية ،حملته أمه ثماني سنين وعاش بعدما ولد عشر سنين ثم أصابته علة مزمنة فلا هو حي يرجى ولا ميت فينسى . الخط ممدود ولكن لا يمشي عليه قطار، والمحطات قائمة ولكن لا يقف عليها مسافر، كانت فيها مواقف الوداع والاستقبال، تشهد الآلام والآمال ، كان فيها الناس من كل بلد وكل شعب فأصبحت لا غاد عليها ولا رائح منها ولا دموع أسيان ولا مستقبل فرحان ، وإذا بكى الشعراء الأطلال وقالوا فيها الأشعار فإن المحطات هي ذاتها بقيمة قصيدة محتها الأيام ، كل جدار من بناء فيها وكل حجر في هذا الجدار كلمات باقيات من تلك القصائد .

من خلال نص الشيخ الطنطاوي نستطيع أن نشعر بالألم الذي كان يشعر به بسبب توقف عمل السكة الحديدية العثمانية ولعل سائلا يسأل ما تاريخ هذا المشروع ؟ ومن أمر به ؟ ومن بناه؟ ولماذا لم يستمر ويتطور؟ وكيف آل إلى ما آل إليه؟ كل هذه الأسئلة سأجيب عنها باختصار شديد لأن هذا الموضوع قد ألف عنه كتب ونشرت مقالات كثيرة عنه وذكر في كتب معظم رحالة القرن العشرين .

السلطان عبدالحميد وبداية الفكرة

لعل أفضل من يتكلم عن هذا المشروع العظيم الذي ربط مناطق واسعة من الوطن العربي بمقر الخلافة في اسطنبول هو صاحب المشروع نفسه السلطان عبدالحميد رحمه الله تعالى يقول في مذكرات سنة 1900:

إن خط حديد الأناضول هو خير رد على من يتهمني بالرجعية ومعاداة الثورة والسعي لمنع تسربها إلى البلاد. بعد أن تخلصنا من بعض الآثار المدمرة التي خلفتها الحرب الروسية، بذلت ما في وسعى للعمل على سرعة مد خط حديد الأناضول، والهدف من هذا الخط، هو ربط شرق البحر المتوسط وبغداد بالأناضول والوصول إلى خليج البصرة. وقد تم انجاز هذا المشروع بنجاح بفضل المساعدة الألمانية.

التنافس الشديد بين الدول الكبرى حول إنشاء الخطوط الحديدية في امبراطوريتنا أمر مستغرب يدعو إلى الشك. إن أهمية الخطوط الحديدية ليست حصرا على الناحية الاقتصادية بل تتعداها إلى الناحية السياسية أيضا وإن تناست الدول الكبرى هذا الأمر. والتنافس حول خط حديد بغداد بدأ يأخذ شكلا بشعا. أربع دول كبرى تشترك بهذه الحلبة، لا يتورع سفراؤهم عن استخدام كل الوسائل في سبيل استمرار الصراع غير المعلن بينهم، حقا انه منظر يمتع ناظريه.

فإنجلترا وفرنسا مزقتا أثواب وقارهما، أما ألمانيا فقد سلكت مسلكا حسنا، والصحافة الانجليزية والفرنسية بل والروسية أيضا تختلق الأكاذيب دون أي حرج، لبث الشكوك بيننا وبين الألمان.

وعن سبب إعطاء الألمان المشروع فيقول :

يقال إنني عندما أعطيت امتياز إنشاء خط حديد الأناضول للمصرف الألماني، قبلت بشروط غير ملائمة طمعا في كسب صداقة الإمبراطور الألماني. والحقيقة أن الأجر الذي تعهدنا بدفعه عن كل كيلومتر مبلغ كبير، لكن نبوءة الذين قالوا بأن المؤسسة الحديدية ستؤول إلى الإفلاس لم تتحقق. وقد أظهرت الميزانية السنوية الأخيرة لعام 1899م أن الصرفيات قد عادلت الواردات، ولن يمر وقت طويل حتى تكون المدفوعات الكيلومترية التي التزمناها قد انتهت تلقائيا.

وعن الجدوى الاقتصادية المهمة للمشروع يقول : إن خبرتي في المحاسبات ليست سيئة، وحساباتي الشخصية دليل على ذلك. إنني على يقين من أن إنشاء خط حديد الأناضول أمر مهم بالنسبة لنا بقدر ما هو مهم للمصرف الألماني، لقد تحملوا بعض المصاريف فطبيعي أن يكون لهم نصيب من الأرباح، ثم تبقى لنا بعد ذلك حصة الأسد. يفهم من التقارير الواردة أن المناطق التي يمر منها الخط الحديدي تزداد انتعاشا وثراء، وهكذا وجدنا أراضي ملائمة لتوطين المسلمين المهاجرين من أوروبا. ويقال إن عدد المسافرين على هذا الخط في تزايد مستمر. لكن المهم هو نقل البضائع، فهذا هو الأساس عندي.

أكثر من 4 مليون ليرة تكلفة مشروع قطار الحجاز عام 1900م

نكمل الحديث عن سكة القطار العثمانية ، يقول السلطان عبدالحميد في مذكرات 1900م :وقد كان الطن من البضائع ينقل من أسكي شهر إلى حيدر أباد على ظهر الجمال بثلاثمئة قرش (60 فرنكا) أما الآن فلا يزيد هذا السعر على سبعين قرشا (14 فرنكا). وقديما كانت المحاصيل في المناطق الداخلية تتلف في مواضعها بسبب عدم توفر وسائل نقلها، فكان المزارع لا يزرع إلا بمقدار ما يستطيع نقله إلى المناطق المجاورة.

أما الآن فبفضل أجور النقل الزهيدة أصبح المزارع مطمئنا إلى أنه سيبيع ما تنتجه أرضه فهو يزرع بقدر ما يشاء. ويقال أن خط حديد الأناضول قد نظمت منشآته تنظيما جيدا وجهزت بمستودعات للحبوب. على أي حال فإن هذا الخط قد أعطى ثماره أكثر وأسرع مما كان متوقعا. علينا أن نحمد الله تعالى ونشكره لتوفيقه، أننا في تقدم وفي تقدم سريع، وهل ينكر هذا الواقع الا من أعمى الله بصيرته. صعوبات وإنجازات واجه هذا المشروع صعوبات كثيرة من أهمها: - صعوبة التمويل فقد بلغت تكلفته 3 ونصف مليون ليرة عثمانية وبسبب ضعف الخزينة العثمانية آنذاك وجه السلطان نداء للعالم الإسلامي للتبرع لهذا المشروع فانهالت عليه التبرعات من كل مكان وقد تبرع السلطان من ماله 320 ألفا وتبرع شاه إيران بخمسين ألفا وقام الخديوي عباس بالتبرع بمواد البناء وتم اقتطاع 10 % من الرواتب وبهذا تمكن السلطان من تحقيق حلمه وحلم الأمة الإسلامية وقد بلغت تكلفته النهائية 000و283و4 ليرة.

- نقص المياه وقد حفر كثير من الآبار وأديرت بمضخات بخارية .

- استخدم أكثر من 6000 من أفراد الجيش لحل مشكلة نقص العمال .

- أنشئت مصارف للمياه لمواجهة خطر السيول ووضع الصلصال وجدر حجرية على طول خط السكة الحديدة لمواجهة خطر الرمال المتحركة.

أول قطار يصل إلى المدينة

وصل أول قطار إلى محطة العنبرية في المدينة المنورة التي تبرع بإنشائها أمير حيدر آباد الهندية وذلك في 23 أغسطس من عام 1908 أي بعد ثماني سنوات من بداية المشروع وقد تم الاحتفال بوصوله وعم الفرح جميع الأقطار الإسلامية فقد كانت الرحلة من دمشق إلى المدينة تستغرق 40 يوما أما الآن فلا تتجاوز الرحلة خمسة أيام والرحلة بدون توقف تستغرق 72 ساعة وباقي الأوقات تقضى في المحطات لتحميل البضائع والركاب.

وقد صاحب افتتاح هذا الخط تغير كبير في الخارطة التجارية فقد تأسست قرى على الطريق ونشطت الحركة التجارية وألحقت المدينة مباشرة بوزارة الخارجية واستخدم الكهرباء لأول مرة فيها مع افتتاح المحطة.

ومن حكمة السلطان أنه طلب أن تكون المسافة بين القضبان الحديدة أكبر بعشر سنتمترا عن الموجودة في أوروبا لكي لا يستخدمها الأوروبيون في حالة احتلت دولة الخلافة .

تخريب خط الحجاز

خلع السلطان عبد الحميد سنة 1909م ولم يتمكن من التمتع من ركوب قطاره الذي حلم به ، وآلت السلطة إلى خليفة لا سلطة له حيث تحكم الاتحاديون بكل شيء ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م ورأت تركيا الانضمام إلى المعسكر الألماني مما أدى إلى تراجع القوات التركية أمام القوات البريطانية .

ولكن بسبب وجود السكة الحديدية تمكن الأتراك من تعزيز أماكنهم في مناطق شتى خاصة في فلسطين ومن جانب آخر قامت الثورة العربية سنة 1916م بقيادة الشريف حسين فواجه مقاومة شديدة من الجنود الأتراك في المدينة المنورة وغيرها من المحافظات العربية بسبب وصول الإمدادات المتواصلة لهم عن طريق القطار ولهذا عمل الشريف على تخريب السكة لوقف هذه الإمدادات العسكرية وقد نجح في خطته وانتصرت ثورته.

يقول الشيخ علي الطنطاوي وهو يرثي لحال السكة الحديدية:وإذا كانت بقايا ديار الحبيب الذي راح تثير كل هذه المشاعر فأولى بذلك هذه المحطات القائمات وحدها في البراري.كل محطة خالية خاوية من محطات خط الحجاز قصيدة من الأركان والجدران لا تحتاج إلا إلى من يترجم عنها بالألفاظ والأوزان ، فغطوا أقلامكم بدموعها ، واجعلوها مداد ما تكتبون ، فإن كل لبنة في كل محطة تبكي، وكل نافذة مخلعة المصاريع وباب وما عليها باب.

آمال قابلة للتحقيق

هذا وقد تمت محاولات كثيرة لإعادة تشغيله وعقدت اجتماعات كثيرة بين السعودية والدول التي كان يمر بها القطار ولكن لم تنجح هذه المحاولات واليوم هناك مطالبة بقطار خليجي نرتبط به أولا ومن ثم يتم ربطه بباقي الدول العربية والإسلامية، لأن القطار من النعم العظيمة التي لا تشعر بقيمتها إلا عندما تسافر إلى الدول المتقدمة وأرجو أن نرى هذا الحلم وقد تحقق قريبا.