صفحة اسبوعية متخصصة في تاريخ الجزيرة العربيةوأدبها.

الشيخ أحمد بن جابر الصباح..مؤسس الكويت الحديثة: هو الشيخ أحمد بن جابر بن مبارك آل الصباح ولد في الكويت سنة 1885م تقريبا ويقال ولد قبل ذلك، نشأ كما ينشأ الشيوخ من آل الصباح فتعلم القراءة والكتابة وشيئا من العلوم الأخرى وتدرب على فنون القتال والفروسية. كان لأبيه الشيخ جابر الثاني أثر كبير في صقل شخصيته وتهيئته لشؤون الحكم لما عرف عن الشيخ جابر من الحكمة وحسن أخلاق ومعرفة بتدبير السياسة وقد تولى حكم الكويت من سنة 1915 إلى سنة 1917م شهدت خلالها الكويت عهدا تميز بالرخاء وسياسة داخلية وخارجية حكيمة فقد عامل الشعب بكل تواضع وحلم وألغى عن شعبه الضريبة التي فرضها والده الشيخ مبارك الكبير التي أدت إلى تذمر واسع بين الناس وقام كذلك بفتح خزائن الدولة للناس فأعطى ولم يبخل وازدهرت التجارة في عهده فبدأت التجارة الخارجية تنمو بين دولته والعراق ونجد والحجاز وتركيا وغيرها من الدول.كل هذه الأعمال تمت في وقت قصير لا تقارن بأي فترة حكم أخرى تشهد على براعة الشيخ جابر في إدارة شؤون البلاد والابن سر أبيه كما يقال فكان الشيخ أحمد يراقب ما يفعل والده عن قرب ويتعلم منه كيف يكون الحاكم العادل.

ولاية العهد

كان الشيخ أحمد بهياً في منظره ، لطيف الحديث يحب التواضع ويحسن مقابلة الناس ويعالج الأمور بكل حكمة وحلم . وقد كان واسع المعرفة يراقب الحركة الأدبية والعلمية والشؤون العالمية وكان يكثر من القراءة ويحب مجالسة العلماء وأهل الفكر.

كل هذه الصفات التي صقلها بالعلم ومجالسة أهل الفكر جعلته مؤهلا أن يتولى ولاية عهد عمه الشيخ سالم بن مبارك الصباح الذي تولى الحكم بعد وفاة الشيخ جابر الثاني في 5 فبراير من سنة 1917م ، وفي نفس السنة قام برحلة الحج وأكرم الشريف حسين وفادته ، وفي سنة 1919م تلقى دعوة من الحكومة البريطانية لزيارة لندن فسافر إليها عن طريق بومباي الهند فوصلها في صفر من شهر 1338هـ الموافق لشهر أكتوبر من 1919م فزار مدن بريطانيا وأعجب بها وبمراكزها الصناعية وقد أهدى الملك جورج الخامس(1910-1936م) حصانا عربيا وسيفا وخنجرا مذهبين وقد قلده الملك وساما ملكيا.

في 29 جمادى الأولى من سنة 1339هـ الموافق لشهر يناير من سنة 1921م قصد الرياض ومعه الشيخ لمفاوضة الملك عبدالعزيز بن سعود وقد سر الملك بزيارته لأنه كان يعجب بشخصيته ويوده وبعد فترة من زيارته وصله نعي عمه الشيخ سالم المبارك وتعيينه حاكما للبلاد، وفي يوم 11من رجب سنة 1339هـ الموافق 21 مارس سنة 1921م بويع بالإمارة وتولى سدة حكم الكويت.

حاكم الكويت

تولى الحكم في فترة عصيبة من الزمن فالعالم لا يزال تحت وطأة آثار الحرب العالمية الأولى التي وضعت أوزارها سنة 1918م والتي لم يشهد لها التاريخ مثيلا من الإبادات العرقية وزوال كثير من السلالات العريقة الحاكمة في أوروبا التي بقيت تحكم منذ الحروب الصليبية واستخدمت لأول مرة الأسلحة الكيميائية واستهدف المدنيون لأول مرة بالقصف من السماء وشهدت ظهور الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا .

وكانت منطقة الجزيرة العربية تشهد اضطرابات كبيرة من عدة جوانب فنجم الملك عبدالعزيز آخذ بالصعود السريع الذي منذ استرجاعه للرياض سنة 1901م لم يعرف التوقف في استرجاع ملك آبائه وهو يسير في ثلاث اتجاهات الأول الانتصار على غرمائه القدامى آل الرشيد والثاني إخراج العثمانيين من الإحساء والثالث انتزاع الحجاز من أيدي الأشراف وقد نجح في كل ذلك .

وكذلك كانت الدولة البريطانية لا تألوا جهدا في زيادة تطويع المنطقة لنفوذها وعمل كافة الخطط الكفيلة لدحر أعدائها العثمانيين من المنطقة خاصة بعد أن تمكنت بدهاء عجيب من بسط نفوذها على البحرين ثم على قطر التابعة لسنجق الإحساء العثمانية ثم على العراق والكويت بعد ذلك وهذا مما يطول شرحه في هذه السيرة المختصرة .

والمهم أن كل هذه الأحداث تجعل أي حاكم في المنطقة في وضع لا يحسد عليه وخاصة من يحكم الكويت التي تقع بين نفوذ الدول الكبرى المتنافسة ولكن الشيخ أحمد بن جابر واجه كل هذه الأخطار الداخلية والخارجية بحكمة وعمق تفكير واستطاع بحسن أخلاقه أن يملك قلوب شعبه أولا ثم أن يؤمن بلاده من الأخطار المحدقة ثانيا وهذا من توفيق الله ونعمه.

أهم إنجازاته

لقد كان الشيخ أحمد يتميز بسعة أفق ونظرة حكيمة في مجريات الأمور فمن كان جلساؤه العلماء وأصحاب الفكر والعقول النيرة لا بد أن يسبق عصره ويفوق أقرانه والشيخ أحمد منذ أول يوم من حكمه إلى يوم وفاته وهو مجتهد في خدمة وطنه ومخلص في قضايا أمته.

اهتم الشيخ بأمور المعرفة فأولاها عنايته فأنشأ المدرسة الأحمدية وفي عهده تم ابتعاث أول بعثة تعليمية إلى الخارج وكانت تتكون من سبعة أشخاص وأسس المكتبة الأهلية ثم قام بتأسيس النادي الأدبي وغيرها من المشاريع التنموية والثقافية يقول خالد العدساني في مذكراته وهو أحد من عاصر هذه الحقبة ومن أعيان الكويت:

ازدهرت الحركات الفكرية وانطلق عقال الإصلاح والوطنية في عهده، فتم في عام 1340هـ الموافق لعام 1921 افتتاح المدرسة الأحمدية ذات المناهج الحديثة والأساليب المستجدة في المحاورات الأدبية والاحتفالات الكبيرة ذات المناظرات الشعرية وغيرها مما حبب إلى الكويتيين إرسال بنيهم إليها ليتزودوا ويغترفوا من أساليبها وابتكاراتها.

وكان أول من أشار بافتتاحها الشيخ يوسف بن عيسى أيضا ليعالج ما أصاب المدرسة المباركية من عقم وتخلف بسبب الادارة وتخلف القائمين على إدارتها عن مسايرة النهضات وأساليب التدريس الحديثة. وكان من أكبر أساتذتها الشيخ المرحوم عبد العزيز الرشيد مؤلف تاريخ الكويت والمرحوم عبد الملك الصالح والشيخ حافظ وهبه والشيخ محمد الخراشي.

كذلك تم في عام 1341هـ 1922 افتتاح المكتبة الأهلية في جانب بيت العامر القديم حاوية أنفس الكتب والمجلدات والصحف العربية يؤمها الكويتيون من طالبي المعرفة من كل جنس، وكان يشرف على هذه المكتبة مجلس إدارة مؤلف من الشيخ يوسف بن عيسى والشيخ حافظ وهبه وسليمان العدساني ومشعان الخضير وعبدالحميد الصانع وعبدالرحمن البحر والسيد علي السيد سليمان والسيد رجب السيد عبدالله الرفاعي الذي كان يتولى الإشراف على إدارتها .

وفي عام 1342 تمخضت هذه الموجات الفكرية والمعاهد التدريسية على حركات أدبية ناشطة منها افتتاح النادي الادبي الذي كان لي شرف الفكرة الأولى في المساعدة على قيامه. وكان هذا النادي يضم في عداد أعضائه ما لا يقل عن مئة شاب ناشئ وغير ناشئ من الكويتيين الذين تفتحت عقولهم وقلوبهم على الحياة الحرة السليمة، وألقيت فيه محاضرات أدبية وتاريخية شتى ولم يقتصر تأثيرها في أرجاء الكويت وحدها بل وفيما جاورها من إمارات الساحل العربي.

وقد تميز هذا النادي بتسهيل التقاء الشباب الناشئ بمن هم أقدم منهم سنا وتجربة من رجالات الكويت المعروفين فتلاقت الافكار وانصهرت الآراء الوطنية. واسندت رئاسة الشرف فيه الى أحد شباب العائلة الحاكمة الشيخ عبدالله الجابر الصباح لما عُرف عنه من ميل إلى الأدب والمتأدبين.

مجلس الشورى

مجتمع الجزيرة العربية عرف نهج الشورى في كل عصوره فقد كان شيخ القبيلة لا يقطع أمرا إلا بعد مشاورة أهل الرأي من كبار قبيلته ، وكذلك بقي الحال بعد تأسس الدول في المنطقة فالشيخ يستقبل فضلاء شعبه وأهل الرأي منهم ويستمع إلى مشورتهم فليست الشورى غريبة عن أهالي هذه المنطقة .

وكان من الطبيعي أن يبدأ الشيخ أحمد بالتفكير في تأسيس مجلس للشورى يعد الأول من نوعه في المنطقة خاصة وهو الرجل المثقف المطلع على مجريات الأمور وكانت الحركة الثقافية والعلمية آخذة في ازدياد في تلك الحقبة فأعلن في ابريل من سنة 1921 عن تشكيل مجلس الشورى الأول ويتكون المجلس من 12 عضوا وتم اختيار حمد عبدالله الصقر كرئيس للمجلس و يوسف بن عيسى القناعي نائباً للرئيس ولكنه حل في يونيو من نفس العام بسبب عدم تفرغ أعضائه لأنهم كانوا منشغلين بأعمال التجارة.

وفي سنة 1938م أعلن عن تشكيل أول مجلس للشورى وبلغ عدد أعضائه 14 عضواً اختيروا بالانتخاب المحدود وذلك بانتخاب 14 من 140 من أفراد الشعب وعين الشيخ عبد الله السالم الصباح رئيساً للمجلس الذي تم حله هو الآخر في 21 ديسمبر 1938، ثم تشكل المجلس التشريعي الثاني مباشرةً بعد حل الأول وبلغ عدد أعضائه 20 عضواً واجتمع في 2 يناير 1939 وتم حله في 7 مارس 1939، وبعد ذلك عرفت الكويت مجلس الشورى في 1940 بتعيين 14 عضواً .

الثروة النفطية

لقد كان من نعم الله العظيمة على هذه المنطقة بعد قرون طويلة من الفقر أن يكتشف النفط بكميات كبيرة تجعل من الجزيرة العربية مصدرا رئيسيا لتزويد العالم بالنفط وأدى ظهوره إلى تطور هذه البلدان بشكل سريع وكانت الكويت من أوائل الدول التي اكتشف فيها النفط وكان ذلك في عهد الشيخ أحمد حيث تأسست شركة نفط الكويت كمشروع مشترك بين شركة البترول البريطانية وشركة جلف للزيت في عام 1934 ، وخلال عامي 1935ـ 1936 بدأ الحفر في بئر بحرة شمالي خليج الكويت .

ولما لم يظهر النفط بكميات تجارية ، نقلت عملها الى منطقة برقان . وفي فبراير عام 1938 تم اكتشاف النفط ، ليتم بعد ذلك حفر ثماني آبار حتى 1941 أكدت جميعها وجود النفط بكميات تجارية ، وابتداء من عام 1946م بدأ الانتاج منها حيث قام الشيخ أحمد الجابر بتدشين أول شحنة نفط خام كويتية للناقلة الانجليزية فوسيلير وذلك بتاريخ 30 يونيو 1946 ، في الوقت الذي استمرت فيه عمليات الحفر والاستكشاف في المناطق الأخرى من الكويت. وفي عام 1949 تم بناء أكبر رصيف من نوعه في العالم يمتد بطول 1200 متر في البحر ( الرصيف الجنوبي ) يسمح بتحميل ثماني سفن في وقت واحد.

يوم في حياته

كان الشيخ أحمد يسكن في قصر دسمان وقد تم تجديده أول حكمه وكان منارا بالكهرباء وفيه مولدان بقوة خمسة أحصنة ، وهو ينهض مبكرا فيصلي الفجر ويقرأ ما تيسر له من القرآن ويفطر ثم ينتقل بسيارته إلى قصر حكمه داخل مدينة الكويت فيستقبل الزائرين وينظر في شؤون شعبه ويقرأ الرسائل والكتب والشؤون الأخرى حتى صلاة الظهر فيتغدى مع من يكون هنالك من الزوار والحاشية ثم يصلي جماعة في مسجده ثم يدخل يقيل حتى صلاة العصر ثم يذهب هو وحراسه إلى مكان في وسط السوق فيجلس فيه ويأتيه الناس ويلتفون حوله ويقضي لهم فهو يأتي إليهم بدلا من مجيئهم إليه.

وعند صلاة المغرب يرجع إلى قصره ويصلي المغرب في مسجده ثم يقوم شيخ من العلماء فيتلو درسا في الفقه أو الحديث والعلوم الاسلامية الأخرى حتى صلاة العشاء فيقوم يتعشى هو وزواره وبعد الصلاة يسمر قليلا مع ضيوفه ثم يدخل غرفته وكان من عادته أن ينام مبكرا.

أولاده

تزوج الشيخ أحمد الجابر من عدة زوجات وأنجب من الأولاد الشيوخ : عبدالله ومحمد وجابر حاكم الكويت الثالث عشر وصباح حاكم الكويت الخامس عشر وخالد ونواف ومشعل ومنصور وفهد .

وفاته

بعد سنوات طويلة قضاها في خدمة شعبه وأمته وبذل لأجلهم الغالي والنفيس انتقل الشيخ أحمد الجابر إلى جوار ربه في 29 يناير من عام 1950 وحزنت على فقده الكويت وكل الأمة العربية والإسلامية رحمه الله تعالى وتولى الحكم بعده الشيخ عبدالله السالم الصباح .