نشأ في الجزيرة العربية كثير من الشعراء الفحول الذين بهروا من جاء بعدهم ببلاغتهم وفصاحتهم وحكمهم ، وفي أراضي نجد وما جاورها نشأ الشعراء القدامى في الجاهلية ثم بقيت بعد ذلك موطنا لهم ولو تغيرت الألسن عن الإعراب واتجهت إلى الكلام العامي فهو الوريث الوحيد للفصحى، ولا يختلف عنها سوى بإعمال العوامل والحركات اللغوية.

وقد أخرجت الجزيرة شعراء كبار على مر القرون وللأسف لم يصلنا عنهم كثير من العلم بتاريخهم وسير حياتهم بسبب قلة التدوين، اللهم إلا قصص متوارثة يسمر بها السمار ويخبر بها الأجداد أحفادهم ومن هؤلاء الشعراء الشاعر الكبير صاحب المطولات العجيبة الحكيم الفلكي راشد الخلاوي وقد اختلف الباحثون في زمنه وسيرة حياته واختلفوا أيضا في شخصية ممدوحة الأمير منيع بن سالم ولكن بقيت بعض القصص الشاردة تناقلها الرواة وقد استطاع المحقق الأديب عبدالله بن محمد بن خميس قنصها في مقدمة ديوان الخلاوي.

وكان الخلاوي يعرف بالكرم ويذكره في شعره ويذكر أنه في إحدى الليالي الشاتية وبسنة مجدبة تسلل «منيع بن سالم» وهو يقطن (الصمّان) وقال منيع لرفقته : إنه سوف يصطنع وجع عينيه ويغطي وجهه ويلتحف ينظر ماذا يصنع الخلاوي بضيوفه في هذه السنة الشهباء وهل ما يدعيه الخلاوي من إكرام الضيف صحيح؟

فأناخوا حول بيت الخلاوي فاستقبلهم بالبشاشة والترحاب وعمد إلى حلوب ابنه الصغير ليذبحها وليس لديه سواها فتعلّق بها الطفل وأم الطفل لاعتماده في غذائه عليها فطردهما عنها وذبحها وقدمها لأضيافه وهو ينشد:

يلوموني هلي وهذي طبايعي

ولوم الفتى عقب المشيب قبيحْ

يلوموني في طارشٍ قد لفت به

من البعد فجّا المنكبين مشيحْ

ياليت عينٍ من منيع بن سالم

حضرتنا يوم انّ الجنين يصيحْ

في ليلةٍ شتويةٍ هرمزيه

تلقى الشحم فوق الصحون طفيحْ

إلى هبّت انسام السعود على الفتى

فمليحٍ وما حاشت يديه مليحْ

وإلى سكنت انسام السعود عن الفتى

لو كان قصره من حديد يطيحْ

وعندها أبدى له الأمير منيع وجهه وقال : الآن أصدقك فيما تقول وجاد له بمال وفير. ومن قصصه أيضا : وكان يعرف عن الخلاوي دقة الوصف وتحديد الأماكن ومعرفة معالم الجزيرة العربية وأعلامها، وكان لديه بندقية من نوع «الفتيل» عزيزة لديه الفتها عينه ويده ولما شعر بالثقل وتدانت خطاه أحب أن يودعها دحلا من دحول الصمان يقال له أبو مروة (والدحل نقب تنقبه السيول في الأرض يكون عدة مأوى للسباع والحيوانات الأخرى) .

وقد فعل الخلاوي ذلك ضنا منه بها ومحبة في أن يهتدي ابنه إليها بالوصف وامتحان المعرفة وإن لم يهتد إليها فأولى بها أن تفنى في دحلها من أن يحملها غيره أو أن يحملها ابن ليس في الحذق والذكاء وتسديد الرماية كأبيه فقال واصفا معميا في بيتين هما:

عن طلحة الجودي تواقيم روحه

عليها شمالي النسور يغيبْ

وعنها مهبّ الهيف رجمٍ وفيضه

وحروري ان كان الدليل نجيبْ

ولما كبر ولده وبلغ مبلغ الرجال أخبرته أمه بوصف أبيه فعمد إليه واستخرج البندقية منه وأدار نظره وفكره حول الدحل فوجد هنالك قريبا من فم الدحل مروة وهي كتلة حجرية صلبة بيضاء من الصوان فقال لو وصف والدي رحمه الله هذا الدحل بهذه المروة لكان وصفا منطبقا تماما فلو قال:

وترى دليله مروةٍ فوق جاله

خيمة شريفٍ في مراح عزيبْ

فكانت العصا من العصية والشبل من ذاك الأسد.

باب المعارف- بقلم :جمال خلفان بن حويرب المهيري