توقعت عودة الحضري.. وسألت الكثيرين قبل عودته: «هل ستغيرون مواقفكم، وترفعون اتهاماتكم، إذا وجدتموه أمامكم؟ وما هو موقف الذين ذبحوه على صفحات الجرائد والمجلات وعلى شاشات الفضائيات؟».
لم يكن هناك من تفاؤل، أو توقع عودة الحضري، خاصة أنه لاعب ونجم مخضرم. ولأنه ذهب إلى نادٍ رئيسه قسطنطين الصديق الشخصي لبلاتر رئيس الاتحاد الدولي، بل والشخصي جداً الذي بأمواله وقف إلى جوار بلاتر في أي جولات انتخابية.
ولكنه عاد.. وأياً كانت عودته، إجبارية أو اضطرارية.. بمزاجه أو غصباً عنه، المهم أنه عاد. وحدث ما كان يدور في أذهان الأغلبية وهو أن موجة الغضب على الحضري ستخف، وتتضاءل ممن طالبوا بمنعه من الدخول وبرفع الجنسية عنه وشطبه من سجلات اتحاد كرة القدم.
هذه هي المأساة،
مأساة المبالغة في كل شيء، فعندما تفرح الجماهير بلقب أو بطولة ترفع اللاعبين إلى السماء، ومع الجماهير أقلام وأفواه تطبل وتزمر. وعندما تحزن الجماهير ينصب الغضب على دماغ الكل. بما في ذلك الحكومة التي سيتذكر لها الناس ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش وأزمات الشارع بكل ألوانها. وأيضاً تركب بعض الأقلام الموجة، وكذلك أفواه «بالهبل» تطل على الأهالي والمواطنين بأفظع الاتهامات.
بالضبط.. هذا ما حدث مع الهارب العائد عصام الحضري.
لقد أثبت موقف الحضري عدة حقائق.. منها أن الدراية باللوائح والقوانين التي تحكم بين اللاعب وناديه غائبة حتى عن أكبر الأندية، وأشهر النجوم، وأن التربية الاحترافية غير موجودة بالمرة، وإنما الموجود هو أطلال نظام يعطي اللاعب كل الحقوق.
ولا يمنح الأندية شيئاً، كما أثبت موقف الحضري أن طريق الاحتراف الخارجي مغلق «بالضبة والمفتاح» أمام النجوم الذين يطمحون في خوض التجربة، وبخاصة في النادي الأهلي، والأدلة على ذلك كثيرة، تمر بمحمود الخطيب منذ أكثر من عشرين عاماً، مروراً بآخرين في أجيال متعاقبة وانتهاء بعصام الحضري الذي ثبت أنه تلقى عدة عروض عبر سنوات ماضية وكان الرفض هو سمة القرار الإداري للأهلي لأن البديل غير موجود ولأن الفريق في حاجة إليه.
منتهى التناقض.. في كل شيء
تناقض في موقف الأهلي، وتناقض في سلوك الحضري وتصرفاته.. إذ إن الأهلي لو كان أعد نفسه جيداً ما أصيب مركز حراسة المرمى في مقتل فيما لو «خلع الحضري».. ولو كان يهتم بقاعدة الناشئين لتوفر لديه أكثر من حارس.. ولكن للأسف الشديد أصبحت سياسة الشراء هي الأسهل، وربما الأولى لأن التربية تأخذ وقتاً ومالاً.
في المقابل، كان الحضري مخطئاً إلى أقصى درجة عندما هرب فجأة لأن إدارة الأهلي لم تحسن استقبال رئيس نادي سيون السويسري، أو أنها لم تتفاوض معه بصورة جادة.
القصة إذن فوضى عامة.. البعض يعرف كيف يتجمل أمامها.. والبعض الآخر لا يعرف، فيبدو أو يظهر أمام الرأي العام على أنه «عبيط وأهبل»!
على كل الأحوال، عاد الحضري، وأغلب الظن أنه لن يبقى في مصر كثيراً، وإنما سيطير مرة أخرى إلى سويسرا وربما منها إلى إنجلترا أو فرنسا أو إسبانيا.. المهم أنه سيطير لأن الأهلي لن يبيعه فقط، وإنما سيحاول أن يتخلص منه بأكبر قدر من المكاسب الأدبية.. والمادية طبعاً.
كلما مرّ يوم على بقاء الحضري في مصر، خفت الحملة ضده.. وهذا هو اللغز الذي لا يوجد له مثيل إلا في أنظمة الكرة الفاشلة.. وفي أجواء التعصب الأعمى.
