ثلاثة وعشرون عملاً فنياً تبحث عن ظلالها في عمق اللوحة، ويمكن القول إنها في طور البحث عن البعض منها. إنه الانطباع الأول الذي يشدّ المشاهد إلى اللوحات المعروضة في صالة (آرت سبيس) للفنان الجزائري كمال يحياوي الذي افتتح مساء أول من أمس معرضه في فندق (فيرمونت دبي).
ألوان خافتة تحلق في ركن اللوحة، وكأنها في طور الإنشاء والتطور في المواضيع، والمقصود هنا شرعية وجود الشخص اللاّمرئي، وكأن الفنان يحياوي يرسم أو يخط التفاصيل في منظور اللوحة، وهذا بدوره إن دلّ على شيء، فإنه يشي بفراغات وتسطيح الرؤى في العمق الوجودي الخالص في اللوحة، وكانّ بالفنان أراد أن يخط اللامدلول الوجودي في مرتكز اللوحة. ظلال وطلاسم غير واضحة، نجح يحياوي في تطويرها من عمق المسطح في المضمون، وأعني تقصّي المفرّغ من الإشارات، وإن وظّف المخفي منها أحياناً بطرق غير مرئية للمشاهد.
والمتأمل لتوظيفات البعد الصوري عند الفنان يلحظ تمازج الحساسية المفرطة ضمن سياق الألوان الخافتة، وهذا بدوره يسلط الضوء على الما ورائي في (شبح اللوحة)، الذي يبدو جلياً من خلال رسم أو تصوير شبه أشكال بشرية لا تفاصيل لها أو محتوى صوري. يبدع الفنان الجزائري يحياوي البعد اللوني في لوحاته المختارة في سياق اللون الوظيفي، وهو يمكن أن يسمى بالبعد التراجيدي، والذي يضفي حرارة خاصة مولدة من ذاتها، إذ إن أطر ومساحات اللوحات تبدو هامشية في أكثر من موقع، وكأن الفنان أراد أن يترك مساحات للعين للتجول في الفراغات المقترحة.
أشباح وظلال وكلاها تصور الما ورائي في مخيلة الفنان الغنية بتفاصيلها، وإن تشابهت في تصويرها ورمزيتها في أكثر من لوحة، وربما يكون الفنان يحياوي قد عمد إلى تكرار نفسه ضمن هاماتٍ بشرية مسطحة ومهمشة في آن، وهذا ما أفقد الرائي التواصل مع البيان الصوري عنده ويظهر خاصة في لوحاته الخمس (وجوه ذابلة).
(يبقى الترحال هو ذاك الشيء الوحيد الذي يبعث الروح في هويتي).. هكذا يرى يحياوي الترحال ، فهو بالنسبة إليه معاش يومي، لذلك غالبا ما تظهر حقائب السفر في العديد من أعمال الفنان مثل:( محمد يتناول الحقائب ثانية)، و(الأجداد يضاعفون الجهود)، والتي اكتسبت اسمها من عنوان لمسرحية الكاتب الجزائري كاتب ياسين. فاليحياوي رحالة، وفكره منكب على التجدد. ويدأب يحياوي على التعبير عن ذاته عبر وسائط فنية متعددة ومتنوعة من خلال أعمال منفذة على الورق، بما في ذلك استعمال الأوراق التي صنعها بيديه،إلى جانب الأغراض الورقية الجاهزة مثل الخرائط والأطباق ومصافي القهوة وغيرها..
واحتوى معرض يحياوي أيضاً على منحوتات مصنوعة من الأشياء المستهلكة، والرسومات المنفذة على الخيش، وخاصة تلك التي استخدم فيها قطع الملابس والسجاد. وتعالج أعماله مواضيع الاستعمار والتطرف والظلم، كما يبرز في ثنايا أعماله، بما في ذلك الأعمال المتعلقة بالمهجر والمنفى والعزلة.
وتبقى الألوان حسب رؤية الفنان محمّلة بالحقائق، فهي تمكننا من التعبير عن النور الخافت الذي يضيء اللوحة، لكن الإضاءة الحقيقية تبقى دائماً تلك التي تختمر في مخيلة الفنان، وهذا ما ظهر جليا في لوحتي (مسودة آدم وحواء) ، فسلطة اللون عنده لا تقلّ درجة عن سلطة الضوء، لأنّ الألوان توجد في تملك جمالها الخاص بها. ولعل ترتيب الألوان بالنسبة إليه، لا يعدو أن يكون سوى ترتيب أفكار. خلاصة القول، إن المشاهد لأعمال الفنان الجزائري كمال يحياوي يصل إلى نتيجة وهي أن أسمى أنواع الجمال، ليس هو ذلك الذي يفتننا على الفور، بل الذي يتسلل إلينا ببطء.
دبي ـ سامي نيال
