تبقى للإنسان الكريم صفة عظيمة إذا تخلق بها بقي غنياً طول عمره ولو كان قليل ذات اليد ألا وهي القناعة، وكان إمام العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي يلام على كثرة زهده وتقشفه وتلاميذه يأكلون بعلمه الأموال الكثيرة وكان يرد عليهم بقوله:
والفقر في النفسِ لا في المال نعرفهُ
ومثلُ ذاك الغنى في النفسِ لا المالِ
واليوم مع شاردة قديمة من بلاد الجزيرة ومن بلدة عنيزة بالقصيم حيث كان رجل تاجر اسمه شايع من قبيلة بني خالد وله ثروة طائلة مع كرم أخلاق وطيب نفس وصاحب رأي وشجاعة وكان الناس يجتمعون عنده ويقدرونه كعادة القوم مع أصحاب الجاه، فلا تكون مهمة أو وليمة إلا ودعي لها اعترافاً بفضله عليهم وتقدمه ولكن الأمور لا تبقى كما هي عادة الحياة فتغير حاله وذهبت ثروته فما كان من أعز أصحابه ورفاقه إلا أن اشتغلوا عنه وانصرف كل لأعماله ونسوا سابق فضله عليهم ولسان حالهم:
والناس من يلق خيرا قائلون له
ما يشتهي ولأمِّ المخطئ الهبل
احتاج هذا الرجل الكريم إلى مساعدة الناس ولكن لا مساعد غير الله ثم كد يمينه ولمعرفته بالنخل اشتغل بالمال الباقي عنده من نخيله فكان يعتني بها ويعيش من بيع رطبها وتمرها، ولشايع ابن يقال له حسن عندما رأى والده في هذه الحالة وقد غلبه الدين لم يستطع البقاء في دار والده بدون نفع فقرر السفر لطلب الرزق فأخذ موافقة أبيه وارتحل في البلاد حتى ألقى عصى التسيار في مدينة بغداد وامتهن البيع والشراء حتى كون ثروة طائلة ولم يستطع الرجوع إلى أبيه بسبب ظروف عمله.
وفي تلك الأثناء بقي والده يعتني بنخله ويبيعها إلى تاجر قبل أوان البيع ثم يأتي التاجر في وقت الثمر ويأخذ حقه منها، وحصل أن احتاج شايع إلى مال فاقترض من هذا التاجر برهن نخله وفي سنة من السنين قال التاجر: يا شايع أريدك أن تخرج من النخل وقت ثمرها، فقال: شايع ولماذا أخرج؟
فقال التاجر: أخاف أن تأكل الثمرة وقد جعلت عليها وكيلاً من قبلي فإذا صرمت الثمرة فارجع إليها، فحزن شايع وهو الرجل الأمين الكريم لمقالة التاجر وانصاع لأمره ولا يسعه إلا ذلك، ورجع إلى بيته وهو في هم لا يعرفه إلا الله والتقى برجل بدوي كان يعيش قريباً منه وطلب منه أن يحمل قصيدة جادت قريحته خاطب فيها ابنه حسن ومطلعها:
جار الزمان بتفريق المحبينا
يا ليت شعري به الأيام تنبينا
يا ليت الأيام تخبرني اوايله
ماذا يجي في تواليها ابتبينا
إلى أن قال:
واشهر بصوتك يا من شاف لي حسن
اني رسول لبوه وهو موصينا
يقول يا ولدي بالعمر تاصلني
وتفك عني وسار العسر والدينا
إلى آخر القصيدة التي شرح فيها كيف آلت حالته إلى العسر والدين.
رحل البدوي مواصلاً الليل بالنهار حتى بلغ بغداد وطفق يسأل عن حسن بن شايع حتى وجده وقرأ عليه القصيدة فحزن حسن لما سمع من أخبار والده وبكى ثم قال للبدوي: أبي يشكو سوء الحال وأنا أشكو من سوء الحال، فلما فرغوا من شرب القهوة قال حسن للبدوي: هذه دريهمات اذهب إلى السوق واشتر بها ما تريد ثم عد إلي فلما انصرف قام حسن وعجن عجينة كبيرة وملأها جنيهات ثم انضجها على النار، فلما عاد البدوي قال له حسن:
ارجع إلى والدي واشرح له الحال وأعطه هذه الخبزة ليعلم أننا لا نملك في بغداد إلا الخبز ثم قام حسن وألبس الخبزة بقماش وخاط أطرافها وودع البدوي الذي عاد إلى عنيزة والتقى والد حسن وقال له: ان ابنك لا يملك شيئاً ولم يعطني إلا هذه الخبزة الكبيرة وأخرجها من جرابه، فقام شايع باكرامه وأعطاه مبلغاً من المال فلما انصرف فتح شايع الجراب وقطع الخبزة فإذا هي كلها جنيهات فقرت عينه وطابت نفسه وأدى ديونه التي كانت عليه وفك رهن نخله.
