حينما جلست أتابع منافسات الجولة الثانية عشرة لدوري اتصالات والأولى بالدور الثاني، تخيّلت أنني سأرى مستوى متطوراً من منطلق أننا بدأنا العد التنازلي للمسابقة، ولا مجال للتعويض بعد ذلك، ولكنني صدمت بمستوى فني متدنٍ، وجاءت كل المباريات خالية من المتعة والإثارة، وبالتالي افتقدنا مشاهدة كرة قدم حقيقية، لذلك استأذنكم بأنني لن أتحدث سوى عن مباراتين فقط، لأنني وجدت الباقي لا يستحق أن أهدر وقتكم الغالي في سرد تفاصيله إذا كانت هناك تفاصيل من الأساس.
أستطيع أن أقول إن محصلة الجولة الثانية عشرة هي صراع الكل على حصد النقاط بصرف النظر عن المستوى والأداء، لأن المدربين يدركون أن حصد أي نقاط أمر جيد أمام الإدارات والجماهير، لذلك يسعون إلى حصدها، والأهم ألا يخرج مهزوماً من المباراة حتى لا يحدث صدام بينه والإدارة والجماهير وتكون المحصلة المزيد من قرارات «التفنيش» التي من المؤكد أنها ستتواصل خلال الجولات المقبلة، لأن المدرب للأسف هو الحلقة الأضعف من حلقات منظومتنا الكروية. وقد سألني زميل عزيز من رجال الصحافة سؤالاً وجيهاً مفاده أن الدوري مرت منه 12 جولة ولا توجد ملامح للبطل ولا ملامح للهابطين، وابتسمت وقلت له بإيجاز: لأنه لا يوجد فريق يفكر في بطولة الدوري حتى الآن! لذلك الملامح غائبة وستظل غائبة لعدة جولات مقبلة في ظل غياب الرؤية والتركيز على عدم الهبوط فقط أو احتلال مركز مطمئن في منطقة الدفء كما تطلقون عليها بلغة الصحافة.
الوصل x الجزيرة
رغم أن المباراة يفترض أن تكون من مباريات القمة التي تستحق المشاهدة، إلا أنها جاءت دون المستوى وشهدت توتراً خارج المستطيل الأخضر غير مستحق.
اعتمد المدربان على الاتزان الدفاعي خوفاً من الخسارة، ولذلك لجأ الفريقان إلى تطبيق أسلوب التمركز الأوسط وغلق المساحات في المنطقة الدفاعية واللعب بطريقة 5 /3 /2 والتي تعتبر من الأساليب التي تعتمد على الحذر الدفاعي، حيث ركّز المدربان على عدم دخول مرماهما أي أهداف على الأقل خلال الشوط الأول حتى يطبق استراتيجية خطف هدف خلال الشوط الثاني.
وتعجبت من هذا الفكر، خاصة وأن فريقي الوصل والجزيرة يملكان عدداً من اللاعبين المميزين من أصحاب المهارات العالية. وقد رجع الجزيرة للدفاع مع الاعتماد على التمركز الأسفل وعدم الضغط على الوصل مع ترك لاعبي وسط وهجوم الوصل يلعبون بحرية من دون قيود مع محاولة فرض أسلوب الاستحواذ على الكرة وعدم فقدانها ولكنهم لم يستغلوا الفرص التي أتيحت لهم للتهديف.
حاول الجزيرة الاتجاه إلى التفكير الهجومي خلال الشوط الثاني من خلال الاعتماد على الأجنحة، ولذلك أشرك المدرب بولوني لاعبه أحمد دادا. ولكن التحضير البطيء في منطقة المناورات والاعتماد على دياكيه لتنفيذ الشق الهجومي أفقد الفريق الفرصة للسيطرة، ما جعل الوصل يستغل المساحات خلف الظهيرين، خاصة اليسرى التي استغلها طارق درويش بعد مشاركته وسجل منها الوصل هدفه الأول.
وجاء الهدف الثاني للوصل بمهارة رائعة سواء من خلال القدم أو الرأس. وشخصياً أعتبر هذا الهدف الذي سجله المحترف البرازيلي دياز هدفاً نموذجياً احترافياً، وعلى فكرة هو صاحب الهدفين.
كلمات موجزة
فاز الوصل بنتيجة المباراة لأن الجزيرة ساعده باللعب بتحفظ غير مبرر.
الشارقة x النصر
هي مباراة مدربين غلب عليها الجانب التكتيكي وكانت الغلبة فيها لمدرب النصر الكرواتي لوكا الذي أحسن التعامل مع المباراة وتوظيف إمكانات اللاعبين، لذلك استحق فريقه الفوز.
لعب فريق النصر بتنظيم جيد وانضباط تكتيكي عالٍ، وبرزت «استراتيجيته» بشكل واضح والتي وضعها المدرب لوكا سواء من خلال توظيف إمكانات اللاعبين أو تحقيق الانضباط التكتيكي دفاعاً وهجوماً، وبكل صدق أقول إنني لأول مرة أشاهد لاعبي النصر وهم ملتزمون بالانضباط النفسي داخل الملعب والمتميز بالهدوء الذهني، ما ساهم في زيادة تركيزهم، وبالتالي أصبحوا يلعبون كرة سهلة، وبالتالي أحسنوا التعامل في المواقف الصعبة بكل سهولة لزيادة تركيزهم.
وقد لعب دفاع النصر بتمركز جيد وعلى خط واحد، وقام الوسط بجهد كبير وكان لاعبوه محور الارتكاز من خلال غلق العمق الدفاعي وسرعة الانتشار والمساندة الفعالة في الهجوم.. وقد لعب محمد إبراهيم دورا ممتازا دفاعياً من خلال التواجد في دائرة النصف والهجوم باستلام التمريرات عن طريق التحركات العرضية وتمرير كرات أمامية وعرضية مؤثرة.
وسط الشارقة
ظهر دفاع الشارقة بمستوى جيد من خلال انضباط عناصره تكتيكياً مع حسن التمركز، إلا أن خط الوسط ظهر بمستوى متواضع فلم يقم أفراده بدورهم الدفاعي بصورة جيدة واعتمد الفريق على لعب الكرات الطويلة مما أدى إلى تباعد الخطوط وعدم قيام خط الوسط بعملية الإسناد.. كما أن ابتعاد العنبري عن منطقة المناورات والتمركز الجيد من قبل لاعبي النصر أفقد هجوم الشارقة تمريرات العنبري فيما شكلت الكرات العرضية والثابتة خطورة على دفاع وحارس النصر.
وقد جاء هدف النصر بسبب القلة العددية للعمق الدفاعي وعدم التمركز الجيد وسوء التغطية.. وقد قام بعض لاعبي الشارقة بالضغط الفردي على حامل الكرة بالنصر في المساحات الواسعة وكان ذلك دون جدوى وكان يجب أن يكون ذلك من خلال عمل جماعي.
كلمات موجزة
فاز النصر لأن لديه انضباطا تكتيكيا عاليا، وانهزم الشارقة لأن وسطه لم يكن في مستواه وافتقاد الهجوم لتمريرات العنبري.
ظواهر عامة
* أتمنى أن يلتزم الإداريون بمقاعدهم على دكة الاحتياط دون القيام بمهمة توجيه اللاعبين، لأن هذا من أهم اختصاصات وصلاحيات المدرب ومساعده، وهذه ظاهرة سلبية تساهم في تشتيت أذهان اللاعبين، وأتمنى ألا يفرّط المدربون في صلاحياتهم لصالح فرقهم.
* لاحظنا عدم وجود مهارات عالية لعدد كبير من اللاعبين، ولعلّي أتساءل عن سبب ذلك الحرص الزائد من المدربين والسعي لحصد النقاط أولاً، وأتمنى أن نجد لمسات إبداعية من لاعبينا لأنها تساهم في إمتاعنا ونحن نشاهد المباريات.
* ألاحظ وجود بطء في التحضير خلال اللعب.. هل لأن اللعب أحياناً يكون بلا هدف وإهدار للوقت ويقوم اللاعبون بمسايرة هذا الفكر العقيم؟!
* كما ألاحظ كثرة حالات التحايل على الحكام، أو كما يقولون «التمثيل»، وهذا يعتبر تحايلاً غير مرغوب، وأتمنى على المدرب الذي يكشف ذلك في أحد من لاعبيه أن يقوم بمعاقبته لأن الضرر أكثر من الفوائد.
* خلال المباريات اكتشفت وجود مبالغات من بعض اللاعبين في حالات الاحتكاك البسيطة، وأجد سيارة الإسعاف المتنقلة وأفراد الجهاز الطبي يسارعون في النزول إلى الملعب، مع أن الحالة لا تستدعي ذلك، وأقول للاعبين «كفى حركات» وزيدوا من تركيزكم في اللعب أفضل.
* يلفت نظري سلوك غير محمود متمثل في كثرة الجدال بين الحكم الرابع وأعضاء الجهازين الفني والإداري، وأطالب بضرورة احترام هذا الرجل الذي يؤدي عمله من خلال الالتزام بالتعليمات وعدم وقوف من لا عمل له حتى لا نشاهد تكرار منظر غير سليم.
* كثير من المدربين لا يهتمون بفوائد الكرات الثابتة التي أرى أن لها تأثيرا خطيرا للفريق، ولكن قلة تركيز اللاعبين وعدم الاهتمام يجعل هناك عدم استفادة من مثل هذه الألعاب.
* شاهدت مباراة الأهلي مع الشعب، وللحق لم أجد فيها ما يشدّني، فالمستوى متواضع، وكم التوتر والشد العصبي والأخطاء والكرات المقطوعة غير عادي.
ولعل أبرز ما أحسست به كم الحساسية بين بعض اللاعبين.. وتساءلت: لماذا كل ذلك؟!.. لم أجد إجابة.
أفضل اللاعبين
لم يلفت نظري لاعب مميز خلال هذه الجولة المتواضعة، ولكن للحق لابد أن أقف أمام عضوين هما الأبرز والأفضل من وجهة نظري.. الأول هو محمد إبراهيم أفضل لاعب بالنصر والذي يعتبر من أبرز عناصره ودوره مؤثر جداً، ولكن أتمنى أن يقلل من مراوغته واحتفاظه بالكرة. والثاني هو زميله عصام درويش الذي يطبق واجبات مركزه على أحسن ما يكون، هو لاعب جيد وأتوقع أن ينال مكانة مرموقة خلال المرحلة المقبلة.
لوكا.. أفضل مدرب
أعتبر المدرب الكرواتي لوكا أفضل مدرب خلال الآونة الأخيرة بالدوري، لأنه أحسن قيادة فريقه بشكل جيد على الرغم من قِصَر الفترة التي عمل بها في الدوري، ولكن بصماته كانت واضحة تماماً واستطاع أن يحسن توظيف إمكانات لاعبيه جيداً ويتعامل معها بذكاء وتكتيك، وفرض الانضباط التكتيكي على اللاعبين، فبدا تركيزهم الذهني مرتفعاً، وبالتالي لعبوا كرة قدم حقيقية.
رؤية فنية بقلم: جمعة ربيع

