يحاول البعض عندما يشاهد مباراة كرة قدم على شاشة التلفاز رفع درجة الصوت ليتفاعل مع المعلق، ويحاول البعض الآخر الاكتفاء بالمشاهدة وإلغاء الصوت تماماً. ماذا نريد من المعلق لنبقى على تواصل معه؟.. ليس من السهل الحصول على إجابة دقيقة؛ لأن هذا الموضوع مثار جدل واسع «كان وما زال».
ذات مرة وفي استطلاع صحافي سألت أحد المهتمين بشؤون كرة القدم من عامة الناس.. ماذا تريد من معلق المباراة؟ أجابني حينذاك: «أريده أن يريني المباراة من دون أن أشاهدها.. أريده أن يرسم الصورة كاملة في سمعي، لأعرف من خلالها أين تتحرك الكرة، وفي حوزة مَنْ.. مَنْ يهاجم ومَنْ يدافع، وكذلك الإيقاع العام. وغيرها من الأمور المهمة..
هنا تذكرت الملحن الكفيف سيد مكاوي عندما قال للمعلق محمد لطيف: «يا كابتن أنا أرى المباراة التي تعلق عليها». يرى البعض أن الكثيرين من المعلقين لا يهتمون بثقافتهم العامة ولا بثقافة المهنة، بل يعتمدون على تثوير الجانب العاطفي، وهناك فرق كبير بين إيقاع تعليقهم والإيقاع الحقيقي للمباراة.
ما هي مصادر المعلق؟.. الصحافة هي المصدر الرئيسي، لذا يرتكب المعلقون نفس الأخطاء التي ترتكبها الصحف في بعض الأحيان حتى وإن كانت أخطاء مطبعية، فليس صعباً أن يتحول الرقم في الإحصاء من «54» إلى «45»، وبالعكس، ومن ثم يتعرض المعلق الذي يعتمد على هذا المصدر من غير مراجعة أو تدقيق إلى مطبات تفقده جزءًا من تأثيره.
نعود إلى السؤال.. ماذا نريد من المعلق؟
هل نريده محايداً، أم يستمر في «دغدغة» مشاعرنا؟
هل نريده محللاً وناقداً وفاحصاً؟.. كيف نريده أن يوزع الـ «90» دقيقة في صوته؟
إن المعلق الذي يسعى إلى التفرد يحتاج إلى الكثير من القراءة والمتابعة، فإن هذه المهمة لم تعد «لقيطة» كما كانت، خاصة في عصر الانترنت وتوافر وسائل الاتصال الحديثة السريعة».
إن دور المعلق مهم جداً في عالم الكرة اليوم، إذا أحسن الأداء «شكلاً ومضموناً»، كما أن تحقيق النجاح يحتاج من المعلق أن يبذل جهداً كبيراً، منها أن يعرف برنامجه خلال الموسم والمباريات التي سيعلق عليها،
وبالتالي يضع برنامجه الخاص بدءًا من متابعة بعض الحصص التدريبية والتحدث إلى المدربين والإداريين واللاعبين والأجهزة الطبية والتعرف على سلامة أرضية الملعب، والتقرب من الحكام، فضلاً عن القراءة المتواصلة واكتساب المعلومات الحديثة وصولاً إلى حالة الخلق والإبداع.
المعلومة جزء مهم من التعليق الرياضي، والنقد الموضوعي تكمن أهميته في تنوير عقلية المتابع، والمتعة مطلوبة فضلاً عن الوصف والسرد التاريخي الموجز الذي له علاقة بالمباراة نفسها أو بعناصرها. إن المعلق الذي لا يقرأ لا يستطيع تجديد مفرداته وتعابيره، ولا يتمكن من تخصيب خياله، ومن ثم يظل واقفاً على نفس النقطة التي انطلق منها.
لا يوجد أفضل معلق في عالم التعليق، فهذه معلومة غير دقيقة، لكن يوجد معلق متميز يمتلك أدواته ويسعى لتطويرها دائماً، وآخر واقف من حيث انطلق.هذه الزاوية لا تكفي لمناقشة «موضوع التعليق» بل هي مفتاح لها، وعلينا أن نعود إلى حيث البداية، وعلى كل منّا أن يسأل نفسه: ماذا أريد من المعلق؟، وفي الوقت نفسه على المعلق أن يسأل المتلقي: «ماذا تريد مني أنا المعلق؟».
عزيزي القارئ: ماذا تريد أنت من المعلق؟ ناقش الأمر مع نفسك، وتواصل مع من تحب في هذا العالم، واطرح ما تريد من دون خجل أو تردد، حتى لا تصل إلى اليوم الذي تعتمد على عينيك فقط بعد أن تضع القطن في أذنيك، وعلى المعلقين أن يدركوا أهمية هذه المسألة.