على الرغم من الفروقات الجوهرية في بعض القيم والعادات إلا أن الشعوب والأقوام المتباعدة جغرافياً تشترك في قيم وأمثال معينة. قيل قديماً إن الغاضب لا يحسن الحكم ولا يصدر قراراً سليماً.. يروى أن رجلاً سيد قومه أراد أن يختبر قدراته في الصحراء فأعد متاعه وملأ قربته بالماء واصطحب معه صقراً كان يحبه كثيراً بعد أن أحسن تربيته وتدريبه.. لم يصطحب أياً من حاشيته.

وبعد مسيرة طويلة نفد الماء من قربته وكاد أن يقتله العطش في هجير الصحراء.. راح يبحث عن ماء يبلّ به ريقه، وكلما سار نحو اتجاه ماء وجد ذلك الاتجاه سراباً، وبعد عناء شديد وجد ينبوعاً فشعر بالسعادة، واستعاد وجهه بعض لونه المفقود من شدة العطش، فأخرج آنية صغيرة ملأها بماء الينبوع،

وعندما حاول أن يشرب منها ضرب الصقر الآنية بجناحيه وأهدر ماءها الذي لا يقدر بثمن في تلك اللحظة .. كرر الرجل الأمر مرة ثانية وعندما أراد شرب الماء كرّر الصقر مافعله في المرة الأولى، فغضب الرجل وأقسم أن الأمر لو تكرر فإنه سيقطع رأس رفيقه الصقر.. تكرر المشهد للمرة الثالثة فنفذ الرجل ما أقسم عليه وقتل رفيق دربه،

وعندما حاول أن يملأ الآنية من جديد أدرك سيد قومه أن ما كان يخرج من الينبوع ما هو إلا سم الأفاعي.. «تحامل» على جرحه وعطشه وواصل مسيرته وعندما بلغ الديار روى لأهله وحاشيته وقومه الحكاية وحزن حزناً عظيماً على حكمه المتسرع الذي أودى بحياة الصقر الغالي العزيز الذي أنقذه من الموت، وأطلق حكمته المشهورة «لا تحكم وأنت غضبان».

هذه القصة الشعبية الخيالية التي درسناها في المدارس الابتدائية ظلت تعيش في أذهاننا، تحاصر نوبات الغضب فينا حتى لا تفزّ من منامها لكن أحداً من المعلمين لم يشرح لنا أسباب عدم قدرة الفرد على اتخاذ قرارات سليمة في حالات الغضب.

دراسة علمية حديثة لعلماء النفس أكدت أن بعض أجزاء الدماغ «تنطفئ» في حالات الغضب ولا تشارك في عملية اتخاذ القرار، لذا فإن التفكير السليم لا يبرز على السطح في ظل عدم مشاركة أجزاء مهمة من الدماغ عند صنع القرار.

ما يجب أن نعترف به أن معظم قراراتنا الرياضية تخرج «فردية» لا تخضع لمبدأ التشاور أو الإجماع، ولو استعرضنا تاريخنا الرياضي لوجدنا أن العديد من القرارات صدرت تحت تأثير «نوبات» الغضب، فجانبها الصواب،

ولأن الغضب حالات إنسانية لا يمكن القضاء عليها في أجوائنا الساخنة، لذا من الأفضل أن نتخلص من القرار الفردي وأن نعزز مكانه القرار الجماعي، وتوفير أجواء العمل التشاوري لنبني لنا مكاناً آمناً في عالم الرياضة يدفعنا إلى الأمام ولا يعود بنا إلى الخلف.

عندما نصل إلى مرحلة القرار الجماعي، فإن إصابة المسؤول الرياضي بنوبة غضب لا تؤثرعلى سلامة القرار، إلا إذا تنازلنا عن شروط العمل الجماعي التشاوري وعدنا للعمل تحت سلطة القرار الفردي.

بسهولة نستطيع أن نطيح بمدرب أخفق في مهمته ونستطيع أن نشتت ذهن لاعب نسي درسه على دكة الاحتياط، ونمزق قمصان فريق لم يحقق طموحات جماهيره، كما أنه ليس صعباً أن نكسر قدم هداف ضلت كراته المرمى تلبية لعواطف الشارع الرياضي.. نستطيع أن نفعل كل هذا بـ «جرة قلم» في نوبة غضب، لكننا لا نستطيع تسجيل الهدف المطلوب.