في هذا الزمن، زمن العجائب والمتغيرات، وتكاثر الفضائيات كتكاثر الفطريات، تلك الفضائيات التي اقتحمت بيوتنا من كل الجهات، ومن دون استئذان ولا مقدمات، وراحت في غالبيتها تعرض برامج خالية من كل الألوان والصفات، ليس فيها للثقافة عنوان ولا سمات.
في هذا الزمن، صار الفرد منّا يمضي أوقاتاً في البحث عن قناة من القنوات النافعات، ليعثر فجأة على برامج الشِّعر والشُّعراء التي تستضيف فيها جهابذة الشُّعراء الذين يشنفون آذاننا، ويسعدون قلوبنا، ويحرِّكون مشاعرنا.
بعض هؤلاء الشعراء أو الذين يعدون شعراء، تُعقد لهم ندوات شعرية، ويدخلون في مسابقات شعرية، فيظهر الواحد منهم ظاناً أنه «سحبان وائل»، أو «قيس بن ساعدة الأيادي»، وكل ما هو آتٍ آت. حيث تسحره عيون المضيفات في تلك اللقاءات التلفزيونية، فيهز منكبيه، ويفرد جناحيه، ويحرِّك شفتيه، لتنطلق فراشات الشعر من حواليه، وكلما سُئل سؤالاً يلبي، ظاناً أنه «أبو فراس الحمداني» أو «أبو الطيب المتنبي» فتكيل له مضيفته المديح، وهذا من مقتضيات عملها ليشعر أنه في بيته، فيخال نفسه «ديك الجن الحمصي»!!
وكلما أمرَّ على واحد من هؤلاء على قارعة التلفاز، استحضر بيتاً من الشعر للمتنبي، سيد شعراء بني يعرب دون منازع، حين قال:
«أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي مَنْ بهِ صممُ»
كلمات ثابتات راسخات باقيات يفرش لهنَّ القلب سويداءه، معززات مكرمات. لا يكفي أن يظهر ذلك «الشاعر» في مقابلة شعرية أو في ندوة كي يصبح شاعراً، فالشعر دوحة لا يدخل أجواءها، إلا من يملك جناحين مؤهلين. فيا شاعرنا القدير لا تركن إلى ما تكيله لكَ مضيفتك من مدح وكلمات إطراء؛ فبعد أن تغادر، يمسي كل الذي قيل بحقكَ من قبيل الأمور المنسية، ذلك أن الشعر هو الإحساس المفعم، والبلسم، والأفكار المضيئة، ولوعة المحب للمحبوب، وغيرة الشهم على المنكوب، ودمعة أم حرى، وعشق الوطن.. وهو السهاد، والوسن.
ليس الشعر بحاجة إلى تأشيرة دخول إلى القلوب، بل القلوب هي التي تفتحُ له مصاريع أبوابها. الشعر ريحانة عطرها يفوح في كل مكان، وكان الشاعر في قديم الزمان، حين ينبض قلبه بالشعر، علت رقبته فطالت السحاب، أما اليوم فإنك إن صادفت شاعراً من هؤلاء على شاشة قناة فضائية أو في ندوة شعرية، فإنك أمام خيارين؛ إما أن تغلق التلفاز نهائياً أو تبحث عن قناة أخرى، بدلاً من إضاعة الوقت في متابعة شعر لا يحمل في ضفتيه سوى الركاكة والسطحية.
في وقت بات فيه بعض منظمي مهرجانات الشعر لا همَّ لهم سوى تسويق هؤلاء، فصار بعض الشعراء يحلُّ ضيفاً ثقيل الظل على المشاهد، فهم يكتبون أكثر مما يقرأون، وهذه الفضائيات عير معفية من المساءلة، فعليهم ألا يستضيفوا كل من ادعى أنه شاعر حتى لا يعبث بالمشاعر، وهناك قاعدة مفادها أن الشهرة ليست بالضرورة بين الجودة والإتقان؛ فكم من المبدعين هم مغمورون؟، وكم من المشهورين هم غير مبدعين؟
لم تكن للشاعر العملاق الفذ محمد مهدي الجواهري شهرة أحمد شوقي، بل كثير من أبناء جلدتنا يجهلون من يكون الجواهري، لكنه في الحقيقة يستحق أن يكون شاعر عصرنا بلا منازع.
أختم بقصة ذلك الشاعر المغمور الذي مرَّ القوم من الشعراء على باب أحد الولاة بقصد التكسُّب، يمتدحون الوالي فيجزل لهم العطاء، فاضطرته الحاجة إلى أن يفعل فعلهم، فدخل على ذلك الوالي وامتدحه بقصيدة عصماء، لدرجة أن الوالي ظنها ليست من شعر هذا الشاعر، وبدلاً من أن يعطيه المال، أعطاه شعيراً مختبراً إياه، فاغتاظ ذلك الشاعر، وارتجل شعراً نقرأ منه:
«أجزتُ على شعري الشعير وأنه ثمينٌ إذا خلصتهُ من بهائم»
وعندما أيقن ذلك الوالي أن صاحبنا شاعرٌ له شأنه، وأنه أصلب الشعراء عوداً من حوله، وأصدقهم شعراً على قلته وعدم شهرته، قرَّبه واحترمه وأجزل له بالعطايا.
ليس كل من يدعي الشعر بشاعر، مثلما ليس كل من يمتطي صهوة الحصان بفارس.