بالرغم من الحالة غير المتفائلة التي كان يعيش عليها الجمهور المصري قبل انطلاق منافسات بطولة الأمم الإفريقية، إلا أن هذا الحال تبدل تماماً بعد أول جولة للفريق أمام الكاميرون والفوز التاريخي برباعية وضعت الفريق في صدارة الفرق المرشحة للصعود للأدوار النهائية والمنافسة على اللقب، وهذا ما ظهر بقوة خلال متابعات الجماهير المصرية مساء أمس الأول في مقاهي الإمارات المختلفة سواء في دبي أو ابوظبي ومدينة العين والإمارات الأخرى.
البداية لم تكن قوية كما كان يتوقع ويتمنى البعض للفراعنة، وكانت هناك نزعة شبة هجومية لصقور الجديان في بداية المباراة لبعث رسالة الى الفريق المصري بوجود فريق منافسـ قوي، لكن خاب ظن الجمهور السوداني الذي تابع اللقاء جنباً إلى جنب مع الجماهير المصرية في المقهى الواحد، وكان الكل ينضم في نسيج واحد، وبعث الجمهوران المصري والسوداني برسالة واضحة إلى كل من يحاول إشعال نار الغيرة أو الفتنة بينهما، مثلما حدث في فترة بطولة الأندية الإفريقية الأخيرة وما صاحبها من اشتعال الحساسية بين جماهير الأهلي والهلال.
رسالة واضحة
وبالرغم من أن كل المقاهي كانت تتحسب لتلك المواجهة المرتقبة بين الشقيقين المصري والسوداني وتعمل حساباً لمواجهات أو انفلات للأعصاب، رفض الجمهوران تلك الاحتياطات، وكان المشهد راقيا وحضاريا من الجمهورين عندما رفضا فكرة اغلب المقاهي التي حاولت أن تقسم المقهى إلى نصفين، احدهما لمصر والآخر للسودان، وصمما أن يجلسا جنباً إلى جنب بل إن الطاولة الواحدة كانت تضم خليطا مصريا سودانيا، رافضين ما يسمى بالعصبية أو الغيرة بين أبناء الوادي، الشاربين من نهر النيل، والتي تربطهما علاقة نسب ومصاهرة منذ قديم الأزل.
وتنفس أصحاب المقاهي الصعداء عندما خاب ظنهما أيضا في وجود أي احتكاك بين الجمهورين أصحاب التاريخ والعادات الواحدة تقريباً، وكم كان المنظر حضارياً وجميلاً كنت أتمنى أن تسجله عدسات مصوري المحطات الفضائية، لتكشف عن معدن الجمهورين الأصيل والنفيس، وان ما بين المصريين والسودانيين اكبر من مجرد فوز أو خسارة في مباراة، فما يربطهما هو رباط الأسرة الواحدة ونسيج الشعب الواحد.
تشجيع راق
وفي ظل تلك الحالة من الإخاء، كانت توازيها حالة من الترقب الشديد بين الجمهورين لمستوى كل فريق، وكان التشجيع والمؤازرة حضاريا بدون تجريح أو تشويه للفريق الآخر، ومع أن الجمهور السوداني كان أكثر تحفزاً لعدة اعتبارات، أنها المرة الأولى لكثير من الشباب أن يشاهد فريقه في الأمم الإفريقية، فغاب صقور الجديان عن العرس الإفريقي لمدة 32 عاماً كاملة.
وأيضا أنها مباراة الأمل الأخير لهم في التأهل إلى الدور الثاني، وأيضا الفوز على بطل القارة حتى لو لم يقدر لهم الصعود إلى الدور التالي فيعتبر انجازا للفريق العائد بعد ثلاثة عقود وأكثر قليلاً لبطولات إفريقيا.
بينما كانت هناك ثقة واضحة لدى الجمهور المصري الذي كان يعلم تماماً أن فريقه سيفوز في أي وقت من المبراة، وأيضا لعدة اعتبارات، أولها فارق الخبرة الكبير بين الفريقين، والمستوى الذي قدمه الفراعنة أمام اسود الكاميرون في لقاء الافتتاح كان كفيلاً بزراعة الثقة في نفوس الجماهير المصرية بلا أدنى شك.
تهنئة
ومع انتقال السيطرة إلى الفريق المصري وتسيده اللقاء الذي انتهى بثلاثية وضعته في قمة المجموعة الثالثة، وإطلاق حكم المباراة صافرة النهاية، كان هناك حالة من الفرح الشديد لدى الجمهور المصري الذي بادر بمواساة الجماهير السودانية متمنياً لها حظ أوفر في البطولات المقبلة، ومن جانبهم أكد السودانيون معدنهم الأصيل ووجهوا التهنئة إلى جماهير الفراعنة وأكدوا على أنهم من الآن سوف يخلعون قميص المنتخب السوداني لارتداء قميص منتخب مصر لتشجيعه خلال المباريات المتبقية من البطولة، باعتباره منتخبهم الثاني، وهذه هي أخلاق وادي النيل.
الطاولة من جديد
ولم يكن غريبا على أبناء وادي النيل بعد انتهاء المباراة العودة إلى ما اعتادوا عليه من لعب الطاولة مع بعضهما البعض أو لعب الورق «الكوتشينة»، وتناسى الجميع أحداث المباراة بعد أن انتهت 90 دقيقة من المنافسة والصراع اللذيذ بين المنتخبين الشقيقين، الذي لم يكن مهما أبداً من يفوز منهما ولكن كان الأهم هو أن يظهرا بالمظهر الحضاري الذي شاهدهما عليه كل أبناء الجاليات العربية، ليكون رسالة ودرسا مجانيا لكل الجاليات في طريقة التعامل مع بعضها البعض، من رقي وتحضّر
محمد نبيل
