لم أكن أول العاشقين لدمشق، ولن أكون آخرهم، فعلى الرغم من كثرة عشاقها، إلا أنها كانت وفية لملايين القلوب، وكلما زاد عدد عشاقها، كان العشق والهيام بها يتسامى مع الذرى.

شوقي.. أمير شعراء العربية يقول فيها:

آمنت بالله واستثنيت جنته

دمشق روح وجنات وريحان

ويقول أيضاً..

لولا دمشق لما كانت طليطلة

ولا زهت ببني العباس بغدان

أما شاعر الياسمين نزار فيقول:

لا أستطيع أن أكتب عن دمشق، إلا ويعرش الياسمين على أصابعي

والعشاق كثيرون، يتسابقون في التغزل بها.. بل إن لدمشق خاصية عند الذين يعشقونها، لا نعرف كنهها خاصة نحن الذين ابتلينا بمهنة الكتابة، فما أن يشعر أحدنا بدنو أجله حتى يسارع الخطى نحو الحبيبة، ليودع الدنيا الفانية وينام في أحضانها منذ أيام البياتي، ونزار، والجواهري، ومنيف، مروراً بابن عربي والفارابي وغيرهم كثيرون.

وعلى الرغم من اعتزازي باختيارها عاصمة للثقافة العربية، إلا أنني أجد أن التسمية لا تأتي بقياس المسمى، فهي ليست عاصمة ثقافة لعام أو لعامين أو حتى لمئة عام، إنما هي الثقافة منذ أن عرفت بالتاريخ الإنساني حتى إن الباحث يعجز من تعداد الحضارات التي ولدت في شوارعها وحواريها وانتقلت حتى عمت الدنيا قديماً وحديثاً.

ودمشق أول عاصمة للإمبراطورية العربية الإسلامية، ومنها انتقل العرب إلى أوروبا وحققوا حضارة الأندلس العريقة.

ودمشق أقدم عاصمة بالتاريخ مأهولة بالسكان، وقد كتب العلامة الإمام الحافظ المعروف بابن عساكر المتوفى عام 571ه، كتابه المعروف تاريخ دمشق وجمع به كل شيء عن بلاد الشام، اختلف الرواة في معنى الشام، كما اختلفوا في زمن بنائها، ويذكر ابن عساكر «أن أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران، ودمشق، ثم بابل، وقال إسحاق بن أيوب القرشي إن شيطاناً يقال له جيرون بنى لسليمان بن داود سقيفة مستطيلة على عمد وبنى حولها مدينة لطيفة، فسمى المكان باسم الباني، وهو جيرون».

وإذا ما تركنا سنوات التاريخ المغرقة في القدم إلى نهايات القرن التاسع عشر وظهور أبو خليل القباني، أول فنان نقل المسرح المعاصر إلى الحياة الفنية العربية، وكذلك فإن رموزاً في الفكر والشعر، والأدب والفن عموماً، طرزوا تاريخ دمشق منذ أن ظهرت إلى الوجود بعد الطوفان، وحتى يوم غد.

ولم تكن دمشق حاضنة علم، ومنتجة للفنون، وللموسيقى، وللأدب وحضارات مختلفة فحسب، بل وكانت الجبهة الأساسية لحماية الأمة العربية عبر مئات السنين، كانت السيف الدمشقي يواجه الغزاة مثلما حمل أهلها زهر الياسمين لكل من أحبها وعشقها وهام بها وجداً وتغزل بأرضها وسمائها ومائها وأنهارها، أرضاً وسماءً وماءً وأنهاراً.

وقد كتب عشرات الشعراء قصائد في دمشق، منهم الجواهري العاشق لها كتب عدة قصائد عنها يقول في واحدة من أجمل ما كتب شاعر العرب مطلعها:

كؤوس الدمع مترعة دهاق

وللحزن اصطباحٌ واغتباق

مضى «فرعون» لم تفقده مصر

ولا «هارون» حن له العراق

أديف «الرافدان» فلن يرادا

ولا «بردى» من البلوى يذاق

وقد نظم هذه القصيدة إثر الثورة الوطنية على الاستعمار الفرنسي عام 1936 ويقول في مقطعها الثاني، وكأنه كان يستشرف المستقبل:

ثباتاً يا دمشق على الرزايا

وتوطيناً وإن ضاق الخناق

وفوزاً بالسباق وليس أمراً

غريباً أن يكون لك السباق

دمشق وأنت غانية عروس

أمشتبك الحراب لك الصداق؟

وتبقى دمشق «سيف.. وقلم.». ويزول كل من لا يحبها.. بينما عشاقها يخلدون ما خلدت هي في الدنيا.

abduleah_q@hotmail.com