«حكايات لبنانية» عنوان المعرض التشكيلي الجماعي الذي افتتحه مساء أول من أمس معالي محمد القرقاوي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء في خيمة الضيافة التابعة لمركز دبي المالي العالمي. وحضر الافتتاح شخصيات اجتماعية وإعلامية وجمع من محبي الفن والإبداع.
والمشاهد للوحات المعروضة يلاحظ التنويع والاختيار الدقيق لأعمال الفنانين الرواد، وكأن القّيمون على المعرض أرادوا أن يكثفوا البحث في رحلة عبر عقود من الفن التشكيلي اللبناني الحديث والمعاصر من خلال لوحات نادرة ومتنوعة، بريشة فنانين لهم الباع الطويل في هذا المجال أمثال ايلي كنعان، وإيفيت أشقر، وهرير، وحسن الجوني، وصليبا الدويهي، ويوسف عون، وراشد بحصلي.
«حكايات لبنانية» لوحات متنوعة وفيها من العمق والكثافة في المعنى، بحيث تتحدى الشرح والتفسير من منظور القوانين النقد المتعارفة والتقليدية.. فنانون رسموا الفضاء الصوري في اللوحة باعتبارها قادمة من رؤى متنوعة ايديولوجياً.
ومن منظور التقاليد والعادات التي جعلت من لبنان ملتقى طرق في خارطة الفن التشكيلي العالمي، لذا كان الفنانون التشكيليون اللبنانيون على اختلاف مدارسهم من أبرز الفنانين العرب، وأكثرهم انتشاراً عبر العالم، ويعود ذلك إلى الدور الذي لعبه لبنان كجسر بين الشرق والغرب، وبالطبع جغرافية لبنان الخاصة التي تركت أثراً واضحاً في لوحات الفنانين اللبنانيين، فتمكنوا من نقل الروح العربية في أشكال وألوان متنوعة.
من تلك الخلفية يمكن أن نفهم أعمال ايلي كنعان بتجاذباتها الواضحة وازدواجيتها الخفية المخفية، فهناك ازدواجية التخيلات مع الانغماس في الجماليات الحديثة، بين التجريد والتشخيص، والواقعية والوهم، والهندسي والفني في اللوحة.
وتحتضن أعمال ايفيت أشقر كل علامات أنشودة الحوريات، وأشارت المرأة في استخدامها الواقعية لتصوير هواجسها التي تصل إلى حد التعابير والتشخيصات التجريدية، وفي الوقت ذاته من اليسر الوصول لأعمال الفنانة عبر الأحاسيس والشعور، ولكن بتأثيرات شكلية، فمدلول «صمت الظلال السابحة» لوحات تظهر طبقات اللون التحتية، لتشي بمدلولات أخرى خاصة لتذهب في عمق اللوحة ومعناها.
إن تحليل المعنى لدى حسن الجوني الواقعية، تنقل نبض حياة المدينة اللبنانية في القرن التاسع عشر، فلوحاته «عين المريسة» و«جنون الخيول» تصور نوعية شاملة للعلاقات والرموز والأشكال ومدلولاتها التي تشكل اللوحة، وفي الوقت ذاته، تعبير مشهدي لمتفرعات بصرية شفافة وحميمة.
في كثير من لوحات راشد بحصلي، ثمة ملصقات «كولاج» تأتي لتعبر عن أسلوب رافض لما يجري، فلوحته حول الاجتياح الإسرائيلي لبيروت تعكس المنطقة المحايدة في لوحة الفنان، وكأن ببحصلي يريد الإفصاح عن اجتياح منطقة بكاملها، لذا استخدم الكولاج بتقنية واضحة في عمق اللوحة في دلالة على فقدان خصوصية المكان.
وفي المعرض أيضاً، لوحات نادرة بريشة الراحل صليبا الدويهي، وهو يعد من رواد الفن التشكيلي العربي، وتعرض أعماله في متاحف عالمية كمتحف الفن الحديث في نيويورك، ومجموعة الروكفيللير الخاصة. وتعكس مجموعة الدويهي المعروضة تحت عنوان «لوحات غير معنونة» التساؤل حول ارتباط أعمال الفنان بالفن الغربي، ومدى صلتها مع بيئتها وهمومها.
وتشكل أعمال هرير بنسائه المشكلة كالفسيفساء، وأحصنته المرصعة بجمالها تقنية عالية في التعاطي مع الريشة، فتبدو اللوحة عنده دوائر لونية شكلية تفضي إلى عمق المشهد الدائري الصوري الخاص. ويرسم يوسف عون لوحاته بطريقة الشعر، وهي طريقة تخلق حالة من الشعور والإحساس، كما أن حسن توظيف الإيقاع البصري، وخاصة في لوحات (السواد) و«دائرة تفاحة الصحراء» جاء في غاية الروعة. (حكايات لبنانية)معرض متنوع وغني بأسماء يشهد لها في مجال التشكيل، يأتي اليوم كسانحة من التأمل لثراء الساحة التشكيلية بكل مفاهميها.
دبي ـ سامي نيال

