صدقت عندما قلت لي إنك سوف تكبر في غيابي عنك لسنوات تشبه الرماد. لا تبك يا صاحبي، أعطني يومك الدامي لأروي ما حدث، أو لأحفر على تيه البيت أيامي فيك، لأنني لم أكن معهم في المواساة ها أنت صدقت عندما قلت لي أنك سوف تكبر وتدخل في ملح أخيك المذبوح منذ ثلاثين عاما.
وبأنك سوف تنجب زعترا وشهداء، دعني أخفف عنك همك، وأصيغ بأصابعي ما حدث، ضاق بي وجهك المخيمي النائم في قلب واد بين التلال والبحر، هكذا علمتني الغربة، أن أعبد الماضي وإن كان موتاً يا صديقي المفدى بالمدائح والأغنيات والمطر.
أعدك بأن أراك ولو لساعة تثير في داخلي دهشتي وتصنع من زمان الغرائب خيط المعجزات واللقاء السريع من على تلة يسمونها « تلة الست» التي تطل عليك بكاملك المتربع فوق بعضه البعض، وأعدك بان أراك ولو فوق مركب يصارع أمواج الرحيل، وأكتب على دفتر الشمس ذكراك، مثلما صاغ أبي بأصابعه العشرة «زهرة الطين».
أمسك طينك الممزوج بالماء والنار أعصره وتسألني هل بدون الطين يولد البشر؟
فتأتي الريح مثل نسر على وجهي الدامع من نكسة صدئه، وأنت واقف أمامي على صهوة الوجع المقدس بيتاً بيتاً، وكنت سميتك عن ظهر قلب «نهر الجليد» في إحدى القصائد، ووضعت القصيدة جانبا واكتفيت بقول أبي تمام «السيف أصدق أنباء من الكتب» مع اهتزاز اليد اليمنى وخوف النفس من المشهد المباغت في نكبة أخرى، ومجهول يحاول أن ينبثق من تربة امتزجت فيها الروح بالقبر.
تسألني للمرة العشرين وأجيبكَ مرة لأن هناك أسئلة ما لها أجوبة، وأقول تعبت من السياسة وتجميع المواضيع، وحصرها في فكرة تتسع لقصيدة وطنية وسط احتراقك، وأقول لا تنقصك قصيدة بل صيحة تصل «الشارقة» وترجع إلي لتقول بأنها لم تنقذ أهلك الباحثين عن قطعة خبز أو كوب ماء فيك من الشارع العام الذي يقسمك إلى قسمين، وأهلك الذين يواصلون مسيرة التيه بلا ذنب اقترفوه، أو جرح ينهض فيهم، فلماذا قتلوك ؟
ربما لأنك كنت تشعر بالفرح من وراء منديل تساقط من سمائك الصافية .. بأي ذنب قتلوك ؟ ربما لأنك كنت ترقص في عرس، وما شأنك باللصوص إن دخلوا وإن خرجوا ؟ ومن هو العدو.. الشقيق أم الغريب ؟ ربما الغيوم التي لم تمطر فوق صحراء الآخرين ضوء وأحلاما للصغار النائمين بلا جنازة، أو فراش عتيق.
لا نجم فوقك لا قمر يضيء النفس الحالكة، ولا ماضي يرسم أيام الطفولة في ساحة البيت، ولا يد تعيد القذيفة إلى صاحبها، كلما حادت عن مسارها في الظلام الكثيف، ولا ورد يضحك في مزهرية الروح المثقوبة من شدة الشوق، والسماء تبكي، والفضاء دخان على ضفاف النهر.
وداعاً .. وداعاً لذاك المخيم خلفي.
