أشار الأكاديمي اللبناني الدكتور وجيه فانوس أستاذ النقد في الجامعة اللبنانية إلى أن ما يميز موضوعة «التربية» في العالم العربي هو ارتكازها وتأسيسها على قطبين مهمين في الشخصية العربية؛ الأول هو العقيدة الدينية أياً كانت، والثاني هو الرغبة في تأمين مواكبة ناجحة للعصر، وهذا يفضي إلى القول بأن التخطيط التربوي العربي ينبغي أن يقوم على عنصرين متلازمين، أحدهما شديد الخصوصية ويتمثل باللُّغة والدِّين والعادات والتَّقاليد والقِيَم الأخلاقيَّة، والآخر شديد القابليَّة للعموميَّة، يتمثَّل بأساسيَّة الانفتاح على المعاصرة.
الدكتور فانوس الذي كان يتحدث في محاضرة استضافتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث مساء أول من أمس بعنوان «الإصلاح التربوي بين الخصوصية والعولمة» قال: «إن أبرز ما تسعى إليه التَّربية في العالم العربيِّ اليوم، يتجلَّى في عمليَّة تُعنى بالمفاهيم والقِيَم والتَّعاليم والسُّلوكيَّات المرتبطة بالعقيدة الدِّينيَّة والمصلحة المجتمعيَّة على حدٍّ سواء، أمَّا الغاية من هذه العمليَّة فتوفير تربية تخدم حفظ العقيدة الدِّينيَّة من جهة، وتُساهم، بصورة إيجابيَّة، في التَّكيُّف الإيجابيِّ البنَّاء للإنسان العربيّ مع التطوُّرات المجتمعيَّة كافَّة، المحليَّة منها والعالميَّة، واحتياجاتها المتنوِّعة والمتعدِّدة».
وانتقل المحاضر بعدها إلى الحديث عن مفهوم «فاعلية التربية»، مؤكداً على أنه لا بدّ من التَّفريق بين ما هو تربية وما هو تعليم، فإذا ما كان التَّعليم، بصورة إجماليَّة وشاملة، عمليَّة نقل معارف ومهارات معيَّنة، أو اكتسابها بطريقة أو أخرى؛ فإنَّ التَّربيَّة تُضْحي عمليَّة تثقيف موجَّهة لاستخدام هذه المهارات والمعارف ضمن بيئة معيَّنة، وعلى هذا الأساس، فقد يكون التَّعليم وموضوعاته من الأمور المشتركة بين النَّاس قاطبة، لكن التَّربية لا يمكن إلاَّ أن تكون خصوصيَّة مرتبطة ببيئة إنسانيَّة أو جغرافيَّة أو زمنيَّة محدَّدة.
وتناول الدكتور فانوس مفهوم «العولمة» مشيراً إلى أنها «ديناميكية» جديدة تبرز داخل العلاقات الدوليَّة، تُحقِّق درجة عالية من الكثافة والسُّرعة في عملية انتشار المعلومات والمكتسبات التقنيَّة والعمليَّة للحضارة؛ مِمَّا يزيد من دور العامل الخارجيِّ في تحديد مصير الأطراف المحليَّة، مشيراً في الوقت ذاته إلى ما أسماه بالمحركات الثلاثة لهذه الظاهرة الديناميكية، وهي: الثورة التِّكنولوجيَّة وثورة الاتِّصال والسَّعي إلى التَّوحيد بين البلدان والحضارات بالتَّغلُّبِ على العامل الجغرافيِّ؛ الأمر الذي يؤهِّل العالم ليكون أقرب إلى القرية الواحدة منه إلى الجزر المجتمعيَّة والحضاريَّة، وتطرق المحاضرة إلى سلبيات وتأثيرات العولمة في الجانب التربوي.
ومنها: التأثير في اتخاذ القرار التربوي، إضعاف البعد الفلسفي للتربية، إضعاف الشعورين الوطني والقومي، ربط العلماء والباحثين بولاءات معيَّنة للمُمَوِّلين، بغضِّ النَّظر عن هُويَّات هؤلاء المُمَوِّلين وجنسياتهمَ، الشُّعور بالدُّونيَّة لدى شعوب الدُّول النَّامية والفقيرة.
كما تحدث فانوس عن المنهج العربي في التفكير التربوي مشيراً إلى أنه يعتمد على منهج التَّفكير الخطِّي مقابل التفكير الشبكي، وهو الغالب على معظم الدِّراسات والتَّحليلات التَّربويَّة العربيَّة التي تناولت موضوع العولمة، إلى النَّظر إلى العولمة بسلبيَّة تكاد تكون مطلقة، ولقد أتت هذه السَّلبيَّة نتيجة حتميَّة عند إتِّباع المنهج الخطِّي في التَّفكير، إذ هو منهج يقوم على النَّظر في الأمر التَّربوي من خلال قطبين متعارضين.
ودعا د. وجيه فانوس في ختام محاضرته إلى اعتراف المخططين التربويين العرب بالعولمة وأخذها بالحسبان عند وضع أي خطة استراتيجية تربوية، وأنه ينبغي عليهم أن يضعوا في اعتبارهم «مناهج التفكير» التي سيضعون عبرها خططهم التربوية، خصوصاً منهج التفكير الشبكي ـ المنظومي لكونه منهجا مؤهلا أكثر من أي منهج آخر، كونه قادراً على استيعاب الخصوصيَّة المتعلِّقة بالبلدان العربيَّة، أكانت هذه الخصوصيَّة ناتجة عن العقيدة الدِّينيَّة أو الهُويَّة الذاتيَّة أو مرتبطة بالمصلحة الحقَّة والعادلة للعيش الإنسانيِّ.
كما إنَّه قادر على استيعاب موضوعات العولمة والتَّعامل معها، ومع كلِّ ما قد ينتج عنها من إيجابيَّات وسلبيَّات، بما يؤمِّن للخطَّة التَّربويَّة المبنيَّة عليه تحقيق الرُّؤية الإستراتيجيَّة التي قامت عليها، ويحفظ لناسها هويتهم المميِّزة لهم ومصالحهم في ساحة الوجود العالميِّ المنفتح للإنسان المعاصر.
بين التربية والتعليم
لا بدّ من التَّفريق بين ما هو تربية وما هو تعليم، فإذا ما كان التَّعليم، بصورة إجماليَّة وشاملة، عمليَّة نقل معارف ومهارات معيَّنة، أو اكتسابها بطريقة أو أخرى؛ فإنَّ التَّربيَّة تُضْحي عمليَّة تثقيف موجَّهة لاستخدام هذه المهارات والمعارف ضمن بيئة معيَّنة.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري