لم يكن أحد منا يفكر قبل خمسة وعشرين عاماً أنه سيظل حياً حتى عام 2008، كانوا صبياناً يلعبون لعبة المسرح، وكنا شباباً أنا ومحسن محمد، والمغفور له يوسف خليل، لكن الفتيان لم يكونوا مغيبين كان لهم حلمهم الجميل، وكنا نحلم مثلهم. لم يكن الفنان يومها ينتظر مكافأة ما.
لكن المكافأة التي حصلت أنا عليها شخصياً هذا الحب العميق الذي حمله لي هؤلاء الفتيان يومها، والذين أصبحوا أولادي وأصدقائي، والذي تطور إلى تقليد مسرحي جميل في الاحترام والتقدير والوفاء، ولم ينس المسرح الأهلي كل من خط لهم حرفاً، أو وضع قدمه في خطوتهم الأولى التأسيسية، ومنهم عدد من الراحلين الذين ذكرهم جمعة أمان أو يوسف غريب والمسرح يحتفل بيوبيله الفضي.
المسرح حالة خاصة، قد لا يشعر بها إلا العاملون فيه، طيلة أيام البروفات يعيش الفنان قلقاً، يميته الخوف، ويحييه الأمل، تماماً مثل امرأة حامل تصارع الموت وتأمل بحياة مع وليد يملأ الدنيا صخباً ولعباً وحباً، وكذلك المسرحيون شهور من التمارين والترقب، الحوار، والاجتهاد، التعب، والعرق، والأرق، والحرمان.
كل ذلك من أجل اللحظات التي يقف فيها الفنان فوق الخشبة عند فتح الستار، يتجلى، تصبح حياته في أوجها وتألقها، ولكنها تخبو بعد غلق الستار، تماماً كل شيء يموت، التصفيق، الناس، الإضاءة، الموسيقى، حزن شديد يخيم على الفنان المسرحي مع مغادرته الخشبة بعد العرض، يحس بأن كل عضلاته قد ماتت، قلبه ما عاد ذلك الذي كان يرقص فوق الخشبة، إحساسه بالإحباط يتسع ويكبر لولا الأمل في مسرحية جديدة تعيد إلى الأضواء.
المسرح حالة خاصة..
الفنون التشكيلية تبقي الفنان مع لوحته أو مع تمثاله.
الكاتب يعيش مع كتبه التي تبقى حتى بعد رحيله.
الموسيقى تظل تطرب الناس وقد يموت الموسيقي، وتبقى ألحانه وأغانيه.
إلا الممثل فوق الخشبة.. والمخرج تحت براقع المسرح.. لحظات من التألق.. والاحتراق مثل فراشة النار.
الحديث عن لحظات الإبداع والشعور بها قد يبدو صعباً جداً، لأننا نحس بها ونعيشها ولا نستطيع أن نتحدث عنها. يوم الحفل الذي أقامه المسرح الأهلي بمناسبة يوبيله الفضي.. كنت أحس بكل هذه المعاناة التي لا يحسها غير العاملين في المسرح، ربع قرن مضى.. وفنانو المسرح الأهلي يحققون كل يوم خطوة في مسيرة طويلة لم يتوقع أحد أنها ستصل بنا إلى مبنى جديد للاحتفال لم يكن يومها موجوداً.
ما زلت أرى في عمر غباش، أو جمال مطر، أو ناجي الحاي، أو محمد الدوسري، أو رائد فريد أو يوسف غريب أو خالد وغيرهم، أنهم ما زالوا فتياناً، غير أنهم أحياناً يتضاحكون ويكشفون عن أعماره، ولأني أعيش معهم ومع المسرح، لم أحس بأن الزمن قد مضى كثيراً وأخذ معه زهرة الشباب، لكن عزائي كان بهؤلاء الذين يحملون المسرح في قلوبهم، مع أن حزني كان على الزميل والأخ يوسف خليل الذي فاجأنا برحيله الأبدي.
من تقاليد المسرح العريقة، أن الشباب هم دماء جديدة، تجري في عروق المسرح، تأخذ الديمومة من جيل أعطى وأكمل مسيرته لجيل آخر يحمل الشعلة ودائماً أمثل ذلك بالطيور الصغيرة حديثة الولادة، تتعلم الطيران من عواجيز الطير، وسرعان ما تطير مع السرب تشق الرياح وتقاوم العواصف، بينما تبقى العواجيز فوق الأشجار تنتظر هي الأخرى رحيلاً من نوع آخر.
لا أقول شكراً لكل أعضاء المسرح الأهلي، لأن الشكر لا يكفي لا لأنهم أكرموني في مثل هذا العيد فحسب، بل لأنهم لم ينسوا أحداً ممن كان معنا ذات يوم قبل ربع قرن من الزمن. ترى من الذي سيحتفل باليوبيل الذهبي لمسرح دبي الأهلي، وما الذي سيقوله عنه.. نحن الذين لن نشاهد ذلك الحفل، بقانون الطبيعة وإرادة الله سبحانه وتعالى؟