تشارك دولة الإمارات في معرض القاهرة الدولي للكتاب كضيف شرف هذا العام، وتتوج مشاركتها بعرض تجربتها اللافتة في مجال الكتب الإلكترونية والمسموعة، بالإضافة إلى مجموعة من الندوات الأدبية والفكرية ومساهمات شعرية ومعرض للخط العربي، وعرض لمسرحية «على جناح التبريزي وتابعه قفة» للكاتب المصري الراحل ألفرد فرج، والتي أعدها الأديب محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي وأخرجها حسن رجب، وستقدمها فرقة مكونة من جميع الفرق المسرحية الإماراتية.

وحرصاً من وزارة الثقافة على إظهار النهضة الثقافية التي حققتها دولة الإمارات في ظل قيادتها الرشيدة، أوضح بلال البدور الوكيل المساعد للشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، أن الوزارة تحرص دائماً على إبراز ما وصلت إليه الحركة المسرحية في الدولة، وتواكب تطورها وتسعى لمد يد العون للمسرحيين على كل الأصعدة.. والوزارة مسؤولة بشكل كامل عن إنتاج الأعمال التي تمثل دولة الإمارات في الخارج، وتحرص على اختيار أفضل العناصر، مع الأخذ بعين الاعتبار منح فرصة المشاركة للجميع..

ومع إن هذه المرة الكثير من المسرحيين مرتبطون بأعمال تلفزيونية ومسرحية داخلية وخارجية، إلا أن الهدف الأكبر كان هو حرص الوزارة على أن تعطي للمشاركة بعداً قومياً. فإضافة لوجود نحو ثلاثين مسرحياً من كل الفرق المسرحية في الدولة يشاركون في عمل واحد، تم اختيار النص متناغماً مع المناسبة، فكاتبه الراحل الفرد فرج من مصر ومعده بلهجة الإمارات وروحها الأديب محمد المر. وهذا تأكيد عملي على عمق الترابط القومي واستمرارية التواصل الثقافي. وعما إذا كان هناك من إضافات عن المشاركة عامة ومن خلال المسرح بشكل خاص، اكتفى البدور بهذا القدر من الحديث تاركاً التفاصيل للمؤتمر الصحافي الذي سيعقد لاحقاً خصيصاً لهذه المناسبة.

دعم الوزارة: ثمن المخرج حسن رجب التوجهات الجديدة للوزارة ورعاية معالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع للمسرح والمسرحيين، ودعمه المادي والمعنوي المتواصل، مؤكداً أن هذا العمل المشترك لم يحدث بهذه الطريقة منذ مدة طويلة، وما قامت به الوزارة من دعم مادي ومعنوي وتفريغ للمشاركين في هذه المسرحية يعد بمثابة اعتراف جميل وضمني بجهدهم وتطورهم، ودافع للفرق المسرحية، وتأكيد بأن في الوزارة حيز للمسرح بعد هذا الصوم الطويل..

واللافت ـ يضيف رجب ـ أن هناك دعماً جاداً أيضاً من قبل المؤسسات الثقافية أيضاً، ولا ننسى مجلس دبي الثقافي ودعمه المميز للورش المسرحية وغيرها من الدورات. وقال رجب: «إن هذا النص الذي قام ب«أمرتته» الأديب محمد المر قد تم إخراجه عدة مرات من قبل وفي دول عدة، ولكنه رغم كتابته بعد عام 1967 يصلح لعصرنا أيضاً بما فيه من إسقاطات على واقعنا، والأديب محمد المر من خلال إعداده باللهجة الإماراتية وروحها قربه لنا أكثر وأعطى للمسرحية ألقاً إماراتياً».

وأوضح رجب أن العمل يضم نحو 33 مسرحياً متفاوتي التجارب متبايني الأعمار .. فحسن يوسف شاب من مسرح دبي الأهلي يلعب دور علي التبريزي، وحميد فارس من مسرح الفجيرة شاب يلعب دور تابعه قفة، والعنصر الجديد أمل محمد التي تلعب دور الأميرة.. بينما عبد الله صالح من مسرح دبي الشعبي الذي يلعب دور الملك من الرعيل الأول، وكذلك إبراهيم سالم من مسرح الشارقة الحديث الذي يلعب دور خادم التبريزي من الرعيل الأول أيضاً وغيرهم ..

من أمثال عادل إبراهيم، علاء النعيمي، منصورالفيلي، وسعيد عبد العزيز، بالإضافة إلى الممثلة القديرة سميرة أحمد التي تشرف على العمل ككل .. وهذا الخليط بهدفه الأول إبراز طاقات الشباب وشرف المشاركة في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة، تم انتقاء عناصره بدراسة من حيث الكاراكتير والقدرات التمثيلية وشخصية الممثل الشاب ووعيه وقدرته على فهم النص واستيعابه للدور وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالخشبة.

ولكن الهدف الأهم هو ردم هذه الهوة الحاصلة بين الأجيال المسرحية في الإمارات. ويمكن للمشاهد - يضيف رجب - أن يلاحظ أن أدوار البطولة كانت للشباب، وهناك أدوار ثانوية للمخضرمين، وبذلك يحدث الاحتكاك والتبادل المعرفي وتطعيم الأجيال الجديدة بالخبرات القديمة.

من جهته، أثنى إبراهيم سالم مساعد المخرج على ما قاله رجب عن دعم الوزارة ومعالي الوزير للمسرح والمسرحيين، مؤكداً أن التجمع بهذا الشكل لم يحدث منذ عدة سنين، خاصة أن الحس المشترك بين الشباب هو تمثيل دولتهم الحبيبة أحسن تمثيل. وتطرق سالم إلى دوره الثانوي في مشهد واحد كخادم لعلي جناح التبريزي، وسعادته بهذا الدور لأنه يساعد الشباب بوجوده معهم فوق الخشبة، بالإضافة إلى عمله كمساعد للمخرج يمرن المسرحيين على فن الأداء وتطوير الحركات والأدوات.

وفيما يخص النص واختياره وإعداده، قال سالم: «إن النص قديم لكن يمكن إسقاط الكثير منه على واقعنا الحالي، فجشع التجار مازال موجوداً، وكذلك الكذب والنفاق وعلاقة الناس بالسلطة والفقراء بالأغنياء وغير ذلك الكثير».. ورأى سالم أن الأديب محمد المر منح النص روح اللهجة، وقربه من واقعنا رغم التزامه الدقيق به، أما المخرج حسن رجب فرغم عدم خروجه عن النص.

إلا أنه من خلال فرقة الشحاذين، استطاع أن يوظف الأهازيج الشعبية والأغنيات كملطف للجو وتوظيف للموروث الشعبي من جهة، وكدور في المسرحية من جهة ثانية من خلال لعب الأغنيات والأهازيج الشعبية دور الراوي بين حدث وآخر أو مشهد ومشهد. وأضاف سالم أن في النص مقولات عالمية وصالحة لأيامنا، فالدولة التي تخلو من الخيال هي دولة غير مشعة.. ولو فكرنا بالإمارات حالياً وبهذا الإشعاع المنطلق من تطورها على كل الأصعدة، سنجد فعلاً صحة هذه المقولة.. ونؤكد دائماً أننا يجب أن نمتلك خيالاً مبدعاً.

الصنارة والطعم

وأكدت الفنانة سميرة أحمد المشرفة العامة على العمل وسيره والمشاركين به، على أن هذا التجمع بهذا العدد وهذه الفوارق بين الأجيال يحدث للمرة الأولى في تاريخ المسرح الإماراتي، بعد تجمع حدث منذ عشر سنوات في عمل بعنوان «حكاية لم تروها شهرذاد»، لكنه كان من جيل واحد.

وأشارت أحمد إلى ضرورة التواصل بين الأجيال لهدم هذه الهوة الكبيرة بين جيلها وجيل الشباب الحالي، موضحة أن الفرص التي أتيحت لجيلهم كانت غنية جداً، فهم تدربوا على أيدي أساتذة كبار، وقدمت لهم الوزارة الدعم المادي والمعنوي الجيد... فإضافة للورش والدورات التدريبية هناك من حصلوا على دراسات عليا في مجال المسرح..

ورغم بعض الانقطاعات ـ تضيف أحمد ـ هذه المرحلة تعتبر بالنسبة للشباب المرحلة الذهبية، فهناك توجهات واضحة ودعم جدي ومتواصل من قبل الوزارة والمؤسسات الثقافية في الدولة، وما على الشباب سوى المثابرة والعمل ومعرفة أين يوجهون قدراتهم وكيف يبلورون مواهبهم.

وعن إمكانية المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب بنص إماراتي محلي، قالت أحمد إن القرار بالمشاركة جاء متأخراً، لذلك لم نتمكن من البحث عن نص إماراتي وبإخراج إماراتي أيضاً.. ومع ذلك هذا النص «على جناح التبريزي وتابعه قفة» من إعداد الكاتب الكبير محمد المر الذي نعتز به وبتاريخه الأدبي.. وأتمنى أن تكون هذه التجربة مع الأديب المر بمثابة الطعم في الصنارة، وتكون بداية له للعمل في المسرح، فقامة كبيرة كالمر مكسب تاريخي لفن المسرح.

وتحدثت سميرة أحمد عن علاقتها وحسن رجب بالمسرحيين الشباب وتلك الأجواء الأسرية التي تربط الجميع، والروح الوطنية العالية التي تحفزهم على المثابرة والعمل كي يقدموا بلدهم على أكمل وجه. وأشادت احمد بمعالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وسعيه الدؤوب لتحقيق طموحات المسرحيين الإماراتيين، مؤكدة أنها لم تقابل وزيراً بهذه الروح وهذا الحماس والطموح والثقة.

الخبرة والهوة

الممثل عبد الله صالح الذي يلعب دور الملك وشارك في تلحين بعض أغنيات فرقة الشحاذين وتأليف بعضها الآخر بالإضافة إلى توزيعها وتوليفها، يثني على كل ما قاله زملاؤه حول هذا التجمع ودعم الوزارة من جهة وحول الانقطاعات بين الأجيال من جهة ثانية، ويؤكد أن العلاقة مع الشباب تحتاج أن يكون المسرحيون القدماء ملتزمين وأخلاقيين ومنضبطين ومحبين للشباب الجدد، وألا يتوانوا في مساعدتهم وتوجيههم وتطوير أدواتهم وقدراتهم.

فليس العمر وحسب من أسباب الهوة بين الأجيال في المسرح الإماراتي، بل الخبرة أيضاً، مؤكداً على ضرورة التواصل بين الأجيال المسرحية، وضخ الدماء الجديدة في كل المجالات، فمن مهمة أصحاب الخبرة أن يشجعوا أصحاب المواهب على الدراسة والتحصيل، وتنمية وبلورة مواهبهم، وإرشادهم إلى الطريق الصحيح.

وأوضح صالح أنه يحاول وزملاؤه بشتى الطرق توصيلهم إلى مرحلة ناضجة في الأداء والتلوين في التدريبات النظرية وعلى خشبة المسرح، فالشباب متعطشون جداً للعمل، ودافع التحدي مع الخوف يجعلهم انفعاليين ومتسرعين مما ينعكس سلباً على الحركات والحوارات وحتى النطق ناهيك عن الإيقاع..

وهذا العمل بحاجة لشهور حتى يصل الشباب إلى الأداء المناسب لأدوارهم وفهمهم الدقيق للشخصيات وردود أفعالها، فرغم أن العمل يبدو بسيطاً لكنه يتحدث عن فلسفة حياة، وعن الخداع من الطمع وكيفية التعامل مع المادة كوسيلة وكغاية والصراع بين الأغنياء والفقراء والسعي في المحصلة وراء الوهم.. وهذه النهاية، نهاية انتظار القافلة تركها المخرج حسن رجب مفتوحة.

من جانبه، قال حسن يوسف الذي يلعب دور «على جناح التبريزي» إن هذا الوقت مناسب للشباب كي يبرزوا طاقاتهم أمام هذه النخبة الكبيرة، ويحرصوا على الاستفادة من خبراتهم، مؤكداً أن العلاقة بين الجميع حميمية ويشعر مع زملائه الشباب أنه في أسرته. وتحدث حسن عن شخصية التبريزي كتاجر كبير شبع منذ طفولته فلم تهمه الخسارة الكبيرة لأمواله، وعن جانبه النفسي وعلاقته بالنقود والحياة وتعاطفه مع الفقراء من خلال سلبه أموال الأغنياء ..

بدوره أكد حميد فارس الذي يلعب دور «قفة» ما قاله عبد الله صالح، وأوضح إنها المرة الأولى في حياته التي يحتك فيها بالعمالقة.. وأول مرة يأخذ دوراً بهذا الحجم، ورأى في ذلك تشجيعاً له على العمل وفرصة كبيرة للتميز ومراكمة الخبرة التي فعلاً تشكل هوة بينه وبين الممثلين الكبار، معرباً عن شكره لهم على تعاونهم واهتمامهم به، وخاصة المخرج حسن رجب الذي فاجأه بهذا الدور وبإصراره على الاستمرار دون خوف وبعيداً عن الانفعال والتسرع.

علي جناح التبريزي

عندما وقعت هزيمة 67 لم يفاجأ ألفرد فرج، وكتب رائعته «على جناح التبريزي وتابعه قفة» حيث راح يتخفى وراء عنوان الكاتب الألماني الشهير برتولد بريخت «السيد بونتلا وتابعه ماتي»، وناقش فيها قضية العلاقة بين السلطة والمثقف والأغنياء والفقراء وجشع التجار وعلاقة الطمع بالأحلام وانتظار الوهم.. فجاءت المسرحية منذرة بضرورة التغيير. مسرح ألفرد فرج يقوم على المواجهة بالوعي والاحتجاج على الثابت والراكد.

دبي ـ محمود أبوحامد